عبد الناصر البنا يكتب : التعليم .. وورقة التوت !

عبد الناصر البنا – الفضائية المصرية
كان للدكتور محمد جلال الدين أبو الدهب ” رحمه الله ” وهو من أبناء محافظة سوهاج وإشتهر بالشدة والصرامة وكان أستاذا جامعيا يدرس مادة الإحصاء ، ونائبا فى البرلمان عن أبناء دائرته لسنوات ، وعين وزيرا للتموين والتجارة الداخلية فى فترة الثمانينات
ولم يتحرج فى أن يتقدم بإستقالته أمام البرلمان وخرج عند أول تعديل وزارى ، كان الدكتور جلال ينظر إلى طلابه فى كلية التجارة وإدارة الأعمال ويقول : ليه العدد دا كله يتعلم ؟
أمال مين إللى ح يطلع بناء ونجار وحداد وسباك .. إلخ . قضية جدليه وتثير العديد من الإشكاليات على الأقل
فى الوقت الحالى ، وخاصة بعد أن قضى ” التوك توك ” على ماتبقى من العمال ” مفرخة ” صنايعية المستقبل ، عموما أخد أبو الدهب جزاء مقولته من سخرية أحمد رجب ومصطفى حسين وهو وزير للتموين ولعلنا نتذكر كاريكاتير” لامساس ولدى .. ياولدى ” أيام كانت الصحافة هى المعبر عن هموم وآلام المواطن .. رحم الله الجميع .
هل “مجانية ” التعليم التى قال عنها طه حسين ” أن العلم كالماء والهواء ” كانت إحدى عيوب ثوره 23 يوليو المجيدة ؟ سؤال ألقاه أحد الخبثاء لما وصل إليه حال المجتمع بعد أن عانى الأمرين من الروتين والبريروقيراطية فى أحد المصالح الحكومية
بالقطع أن يكون المجتمع متعلما أفضل بكثير من المجتمعات الأمية لما للعلم والتعليم من فائدة تعود على الفرد والمجتمع وتلك من المسلمات حتى وإن كان هناك عددا كبيرا من خريجى الجامعات اليوم غير متعلم !!
لكن السؤال : أى نوع من التعليم هو الذى يجب أن نسعى إليه ؟
الإجابة لاتحددها رغبتى أنا أو أنت ، وإنما هى إستراتيجية تضعها الدولة وفقا لإحتياج سوق العمل ، لأن التجربة دللت على أن الجميع يتسابق على كليات القمة ” الطب ـ والهندسة ” والنتيجة أن حريجى هذه الكليات أصبحوا على الأرصفة
مثلما أصبح علماء الطاقة النووية فى روسيا على الرصيف ، بعد أن تفكك الإتحاد السوفيتى بفضل سياسة ” البيريسترويكا ” أو إعاده البناء التى إنتهجها الرئيس ميخائيل جورباتشوف .
منظومة التعليم هى المعضلة التى تعانى منها دولا كثيرة ومنها مصر ، والحقيقة أن المنظومة تبدأ من تمهيدى مرورا بالتعليم الأولى حتى الجامعى ، بل ويمتد إلى مابعد الجامعى ، وهناك عوار شديد فى إدارة تلك المنظومة حقيقة
ولك أن تعلم أن هناك فرق شاسع بين تعليم وزارة التربية والتعليم ، وتعليم المدارس الأجنبية ، وإن كان الدكتور طارق شوقى جلال لايدخر جهدا فى تطبيق منظومة جديدة تجد دعم وتشجيع من القياده السياسية ، ويحاول أن ينسف من خلالها كل النظريات القديمة فيما يتعلق بالتعليم الذى يعتمد على الحفظ والتلقين إلى وسائل تعليمية حديثة .
لكن هيهات الرجل يحاول أن يدفع للأمام وكثير من يشدونه إلى الخلف ، لأن الإنسان ” عدو ” مايجهل ، وللأسف من أبناء الوزارة أنفسهم ، وهناك عشرات العثرات والعراقبل التى توضع أمامه من أصحاب المصالح ” مافيا الدروس الخصوصيه ـ الكتب الخارجيه ـ وعدم إكتمال البنية التحتية والمدارس ومنظومة الإنترنت .. وقل ماشئت ” ،
بل أن هناك من يعمل جاهدا على إفشال المنظومة ، وخير مثال على ذلك ماحدث فى إختبارات ماده اللغه العربيه للثانوية العامة هذا العام ، بعد أن تأهل الطلاب للإختبار على التابلت والـ Open Book وخوفا من إنقطاع شبكة الإنترنت ، فجأة دخل الطلاب على إختبار مادة اللغة العربية بنظام الورقة والقلم .
أما التخبط الذى حدث فى هذا اليوم لايمكن أن يتخيله عقل ، فى لجان محافظة قنا على سبيل المثال دخلت أوراق الإجابة بعد نصف ساعة من بداية الوقت ، ولم يتم تعويض الوقت الضائع
أما الأسئلة جاءت فى 75% منها على شكل قطع عليها ثلاث إجابات متقاربة ولاتوجد فروق جوهرية بينها لدرجة أن أحد أساتذة اللغة العربية أقسم بالله أنه لايعرف الفرق بينها ، ومازاد الطين بله ، أنها من خارج المنهج ، والورقة بها ” ستين ” سؤال . بالله عليكم هل يعقل هذا
أنا مع الوزير قلبا وقالبا ولكن ” لافائدة من الكلام ” هل تسمع شيئا عن ” بنك المعرفة ” الذى سبقته بروبجندا غير مسبوقة ، والله إختفت أخباره ويبدو أنه أيضا تم إفشاله .
الحقيقة كم كنت أتمنى أن يتم تطبيق تجربة التعليم الحديثة على مراحل أو فى عدد من المحافظات وأن تبدأ من الأدنى للأعلى وصولا للتعليم الثانوى ، والحق أقول أن كثير من أبناء القرى الذين تحاورت معهم فى بعض المحافظات النائية ، والبعض منهم كان فى المرحلة الإعدادية إلا أنى فوجئت أنه لايعرف يكتب إسمه وهذا الواقع موجود وغير مبالغ فيه ، فضلا عن ذلك من قال أن هناك مجانية فى التعليم ؟

التعليم اليوم أصبح مكلف جدا ويكفى أن ولى الأمر الذى يبحث غن مستقبل أفضل لإبنه الذى يتوقف على مجموع سنة واحدة فقط هى ” الثانوى العام ” ينفق مالايقل عن ” خمسين ” ألف جنيه مابين دروس خصوصية وكتب خارجيه !! .

أما دخول مايسمى بالمدارس الدولية أو الـ IG فى منظومه التعليم فى مصر ” للمقتدرين ” فقد أحدثت فجوة كبيرة فى مستوى التعليم ، فمن ييملك المال ويريد تعليما جيدا لأبناءه يؤمن لهم المستقبل ويوجد فرصة عمل بعد التخرج ، يلجأ إلى هذا النوع من التعليم ، والغير قادر على نفقات هذا التعليم ، يظل طول الوقت ينعى حظه ويلقى اللوم على الدولة التى لاتدخر جهدا بل ويطلب منها تعليما مماثلا لتلك المدارس ، وتلك معضلة أخرى .
أما التعليم الجامعى ، فالصورة أكثر ضبابية مما نتخيل ، وخاصة بعد وجود الجامعات الخاصة ، وهروب الكفاءات العلمية من الأساتذة إلى تلك الجامعات
والغريب أنك تجد أن أغلب أعضاء مجالس إداره تلك الجامعات هم كوادر فى وزارة التعليم العالى ، ولك أن تعلم مسبقا ، أنك لابد أن تكون مالكا لـ ماكينه طباعه أوراق بنكنوت ، قبل أن تفكر أو تقبل على تلك الخطوة
ومن هنا تراجع البحث العلمى وترتيب الجامعات المصرية ، وحسنا فعلت الدولة مؤخرا ، أنه لابد أن يكون هناك توأمة لأى جامعة خاصة يتم إفتتاحها مع جامعة دولية
وعلى الرغم من ذلك هذا لايقلل أو يمنع أن لدينا نوابغ فى مختلف مراحل التعليم ، ولكن على شرط أن يجدوا المناخ المشجع لموهبتهم مثل مدارس المتفوقين التى فطنت لها الدولة مؤخرا
وأن تأتى متأخرا خير من أن لاتأتى ، ودائما يقال : أن أول الغبيث قطره وأعتقد أنها بدأت تندع والحمد لله .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.