الدكتور عادل خلف القليعي يكتب : هل هي فلسفة إسلامية، أم عربية؟

الدكتور عادل خلف
رب سائل يسأل وقد يكون هذا السائل متخصص في الفلسفة علي الإطلاق، وقد يكون متخصصا في الفلسفة الإسلامية بفروعها المختلفة.
وقد يكون السائل لامن هؤلاء ولا من هؤلاء، ولكن لفضوله المعرفي المحمود يطرح سؤالا.
ما الذي دفع كاتب هذا المقال لكتابته؟!!
تكمن الإجابة علي هذا السؤال في الجدال المستمر حول تسميتها،هل نسمها فلسفة إسلامية نسبة لأن أئمتها كانوا مسلمين ولم يكونوا عرب ، ولكنهم كانوا من أصول مختلفة كالأصل الفارسي أو التركمستاني ،او الهندي، وخلافه من الأصول ممن اعتنقوا الإسلام.
أم نسمها عربية،نسبة لأن أول فيلسوف من فلاسفة الإسلام كان من العرب من قبيلة كندة العربية وهو أبو يعقوب إسحاق الكندي.
أم نسمها عربية لأنها دونت بأحرف عربية، واللغة العربية هي لغة القرآن.
نناقش هذا الموضوع بمنتهي الموضوعية.
تعالوا معي نتفق علي أمرين، أتفق فيهما مع ذاتي وادعوكم للاتفاق معي، أو للاختلاف فاختلافنا يثري حوارنا.
الأمر الأول، أن الفكر ليس له دين ولا وطن، ويوجد الفكر متي وجد الانسان، أني كان مكانه وبلده وموطنه وديانته التي يدين به وملته، وتوجهه ومذهبه الذي يعتنقه.
الأمر الثاني أرفض بشدة كلمة التخصص،لان في هذا الأمر تقزيم للمفكر الباقر المتبحر في العلوم، في شتي العلوم، فالمفكر الحقيقي لا يحتقر شيئا مهما بلغ من ضآلة الشأن مبلغ الطين والشعر.
تعالوا معي ننطلق الي عالم الفكر الموضوعي المنظم.
نفند آراء من قال أنها عربية ونناقشهم فيها.
_آراء القائلين بأنها فلسفة عربية:
لقد أطلق المستشرق أرنست رينان علي موروثنا الفلسفي، الفلسفة العربية، لماذا أيها المستشرق ؟!!
لأنهاعلي حد زعمه مجرد محاكاة رديئة للفلسفة الارسطية، وضرب من ضروب التكرار للأفكار اليونانية التي ترجمت الي العربية.هذا زعمه، ولي حق الرد عليه.
أرد علي هذه الفرية من وجهين أولهما:هل حقا تراثنا الفلسفي منقول عن التراث اليوناني، ألم تكن لنا اراؤنا الخاصة بنا، لماذا ظل هذا الفكر مادة خصبة وثرية ينهل منها ويغترف كل من مد يده إليها.
يا هذا، ألم يكن لفلاسفتنا آراء خاصة بهم في مسألة التوفيق بين الفلسفة والدين.
الم يلاحظ ابن تيمية وهو من هو في تشدده ضد الفلسفة، ألم يلحظ أن فلاسفتنا تكلموا في أشياء لم يتحدث عنها فلاسفة اليونان،في الالهيات، النبوات، البعث، هل يقع الجزاء روحا وجسدا.
ثانيهما : يا رينان هل العبرة بالمضمون الذي نقراه أم بالشكل،هل نهتم بالجوهر ام بالعرض، بمعني أننا عندما نطالع كتابا كالتأملات في الفلسفة الأولي لديكارت،وهذا الكتاب ترجم الي العربية،هل نقول إن مؤلفه عربي.
فجنسية الكاتب لاتنهض دليلا كافيا علي أن ينسب إليها من فكر.
فهل مثلا أقول علي كتاب ألفه س، أو ص في الفلسفة اليونانية،أقول أنه كاتب في الفلسفة المصرية أو السورية أو الصينية نسبة للكاتب.
كذلك فإن الغالبية العظمى ممن أسهموا في إنتاج هذا الموروث لم يكونوا عربا، بل كان منهم الفارسي والتركي والهندي والرومي والأندلسي.
وثم رأي آخر يقول أنها عربية ، هذا الرأي يعتمد أصحابه علي حديث للنبي صلي الله عليه وسلم، في تعريف العرب والعربية، يا أيها الناس إن الرب واحد، والإبن واحد، وأن الدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وانما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي.
_آراء القائلين أنها إسلامية:
إن لفظ الإسلام معني واسع يشمل الفيلسوف، العالم، الشاعر، الأديب، الطبيب، التاريخي،الجغرافي، الكيميائي.عالم الفلك، عالم النفس.
والواقع علي مايري أصحاب هذا الرأي، أن إطلاق إسم فلسفة إسلامية، إنما هو استخدام قديم لا مبرر للعدول عنه.
وإذا ما انتقلنا من الشكل إلي المضمون، رجحت كفة تسمية هذا التراث بالفلسفة الإسلامية-علي حد زعمهم- بل ويرون أن هذا المصطلح يطلق ويراد به معنيين، أحدهما:خاص، والآخر عام.
أما المعني الخاص فيراد به مذاهب فلاسفة فلاسفة الإسلام من أمثال الكندي،والفارابي،وابن سينا،وابن رشد.
أما المعني العام فيقصد به المتكلمون، والفلاسفة، والصوفية، وعلماء أصول الفقه.
فنجد علماء الكلام علمهم إسلامي صرف، وليس علما عربيا. لماذا؟!!لان مباحثاتهم تدور حول قضايا التوحيد والذات والصفات والبعث والحساب. وما شابه ذلك من موضوعات خاصة بالمسلمين لا بالعرب.
كذلك قضية التوفيق بين الفلسفة والدين،لم تكن قضية التوفيق بين الفلسفة والعربية.
كذلك هناك تصوف إسلامي،تصوف يهودي، تصوف مسيحي، فهل نتحدث عن التصوف العربي ام الإسلامي،
إن مباحث الصوفية تدور حول الصلة بين الحقيقة (حقيقة الطريق ومقاماته وأحواله، وهل ذلك يتوافق مع الشريعة)
هل يجوز القول علم الفقه العربي، أم نقول علم الفقه الإسلامي ،لانه علم يستهدف استنباط الأحكام الإسلامية في مسائل الفقه، كالعبادات من صلاة وزكاة، وحج.
او مسائل المعاملات كأحكام الزواج والطلاق، والعقوبات، مثل عقوبة الزنا والقتل وشرب الخمر.
هذه هي آراء الفريقين وكل فريق عضد رأيه بالحجة والدليل الذي يرقي مراقي العقل ومن ثم وجب مناقشته.
الرأي عندي، أن هذه المشكلة ستظل قائمة ما دام هناك فكر حر مستنير،سواء كان أصحاب هذا الفكر عرب مسلمون اوغير مسلمون، لأن قضايا الفكر الإنساني متعددة ومتشعبة ومن ثم نناقش كل ما يقدم لنا من منتج فكري بموضوعية وحيادية،نناقش الوجودية المؤمنة،جابرييل مارسيل، وننقاش الوجودية الملحدة، جان بول سارتر، وندخل في نقاش مع البوذي،مع الماسوني،مع العلماني،الليبرالي، الحداثي.
مع المسلم، المسيحي، اليهودي، الهندوسي، البوذي، الزرادشتي، الطبائعي، حتي أصحاب النزعة اللادينية.
المهم المنتج الفكري الإنساني الذي سيقدم،ماهيته، كيفيته هل سيفيد الإنسان بما هو كذلك أم سيضعه في مهب الريح تتقاذفه الأوهام، ويحدث له نوع من الردة الفكرية فينزوي ويصاب بالعطب والتبلد والجمود الفكري.
عزيز القارئ..  أيا كان المسمي فلسفة عربية،فلسفة إسلامية،المهم المنتج الذي يقدم ،الفكر لادين له ولاوطن.
وسأظل هكذا إلي أن ألقي الله تعالي ويسألني عن شهادتي.
كاتب المقال  أستاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.