عبد الناصر البنا يكتب : رمضان .. قصص وبقايا حكايات فى الذاكرة ( 3 – 4 )

عبد الناصر البنا – الفضائية المصرية
يهل علينا شهر رمضان كل عام عام حاملا معه أجمل القصص والحكايات ، وخاصة عن حرب الـ 6 من أكتوبر عام 1973 الـ 10 من رمضان 1393 . والحقيقة أنه لا أحد يستطيع أن ينسى ذكريات النصر والبطولة من رجال صنعوا النصر وحققوا المعجزات ، القصص والحكايات عن بطولات وتضحيات المقاتل المصرى فى حرب الـ 10 من رمضان محفورة فى ذاكرة كل مصرى وعربى ، ولايمكن أن تنمحى أبدا ، أما خطة الخداع الإستراتيجى فى هذه الحرب فى تدرس فى كبرى الاكاديميات العسكرية فى العالم .
كنت أنا إبن الـ 7 من عمرى عندما إندلعت حرب أكتوبر ، وكان أخى ” نورالدين ” مجندا ضمن قوات الدفاع الجوى وحصل خلال فترة تجنيدة على دورات متخصصة أهلته لـ يكون قارىء شاشه رادار فى محطات الرادار B 11 ، ومازلت أتذكر أمى وهى تكفكف دمعها وتنصت إلى الراديو بإصغاء وهو يذيع البيانات الخاصة بقواتنا المسلحة وعبورها الضفه الشرقية لقناة السويس .
فتره الخدمة العسكرية من الفترات التى يحلو للإنسان دائما الحديث عنها ، كانت جلساتنا لاتخلو من موقف
أو ذكرى عن أكتوبر والحرب ومباحثات الكيلو 101 ووقف القتال والفريق سعد الشاذلى وثغرة الدفرسوار وإتفاقية السلام وعن السادات وخطة الخداع الإستراتيجى واللحظات الأخيرة قبل بدء المعركة والتدريب .. إلخ
والحقيقة أن حكايات حرب الـ 10 من رمضان عندما تستمع إليها من أبطالها الحقيقيين تختلف كثيرا عما تقرأه فى الكتب أو الأعمال الدرامية ، إستمعنا إلى تلك البطولات ونحن صغارا بعد أن إنقضت سنوات الحرب وإنتهت مده تجنيدهم التى إستمرت لثلاث سنوات ،
كانت تجمعنا لقاءات كثيرة معهم يستعيدوا خلالها ذكرياتهم عن الحرب فى رمضان . كان أخى ” رحمه الله ” يحكى لنا طريقة عمل كل نوع من أجهزة الرادار والمدى الخاص بها . وأنه كان قارىء على شاشة الرادار فى غرفه العمليات
ويقول : أن الطائرة عندما تدخل المجال الجوى لمصرتظهر كنقطة مضيئة على شاشة الرادار يبدأ الأول فى تمييزها إن كانت طائرة مدنية أم عسكرية وإن كانت معادية ، ثم يبدأ فى رصدها زاوية وإرتفاع ويبلغها للقيادة مباشرة ، بل أنه كان واحدا من أمهر الرصدة ، ولاينسى أنه تمكن من رصد ” منطاد ” كانت تطلقه إسرائيل للأرصاد الجوية بعد أن أجمع الرصدة على أنه ظاهرة طبيعية
وخاصة بعد أن تكرر إطلاقه ولكنه بمهارة ودقة إستطاع تمييزه .
من المواقف التى لاتنسى أن اللواء أحمد كمال المنصورى أو ” الطيار الشيطان ” كما أطلقت عليه إسرائيل كان ضيفا على التليفزيون بمناسبة الإحتفال بذكرى إنتصارات أكتوبر . وإتصل بى أخى أثناء اللقاء وقال لى : أنا أشتفلت مع المنصورى أثناء الحرب ، إبقى قول له : خلى بالك يامنصورى الطيران المعادى وراك ، وبالفعل قلت له بعد إنتهاء اللقاء ، فأمسك برقبتى وقال : مين إللى قال لك كده ؟ قلت له : أخويا كان قارىء على شاشة الرادار
قال : إنت عارف أخوك ده أنا كانت روحى فى إيده ، وأصر على الإتصال به والحديث معه . ولا أنسى عندما أقسم للمنصورى أنه كان كل ما أسقطنا طائرة من طائرات العدو يفرح لدرجة أنه كان يقوم ويقبل شاشة الرادار من شده الفرح ، وهنا إمتلأت عين المنصورى بالدموع !!
فى حرب أكتوبر لم نكن نمتلك طائرات متفوقة مثل طائرات العدو الإسرائيلى ولكن التدريب الجيد وكفاءة وقوة وإرادة المقاتل المصرى رغم قلة الإمكانيات هى التى حققت النصر وكان حليفنا ، والحقيقة أن طائرات العدو الإسرائيلى كان يمكنها المناورة والبقاء فى الجو فترة أطول من قدره مقاتلاتنا ولذلك كان يتناوب على الطائرة الواحدة من طائرات العدو عدد من طيارينا منهم من يناوش ومن يناور ومن يضرب رغم أن الطيران الإسرائيلى
كان يغير بالسراب ورغم ذلك كان صقورنا فى الجو يصولوا ويجولوا فى طائرات العدو ويعودزا بطائراتهم من حيث أتوا على الرغم من أن البعض منها كان يعود وهو غير صالح للطيران من شده مالحق به من دمار ، لكنها الإرادة .
وأنا لا أنسى ذكريات البطل المقاتل ” عمر يس ” وهو يحكى لنا عن ” موقعة كبريت ” وهو أحد أبطالها والحصار الذى إستمر لمدة 134 يوما بدون طعام أو شراب ، ومحاولات إسرائيل المستميتة إستعادة تلك النقطة الحصينة وظروف إستشهاد المقدم إبراهيم عبدالتواب ” قائد تلك المجموعة ” الذى كان مقربا منه وكان فى قلوب كل الجنود بالموقع بتدينه وشدة إيمانه وحبه لجنوده دون تفرقه ، يقول فى تمام الساعه 9.50 دقيقه من صباح يوم ١٤ يناير ١٩٧٤ إستهدف المقدم إبراهيم عبدالتواب بدانه مدفع هاون عيار 81 مم وهو ممسكا بنظارة الميدان
وفاضت روحه الطاهرة ليكون آخر شهيد فى حرب أكتوبر 1973 قبل وقف القتال وفض الإشتباك ومحادثات الكيلو 101 وتمت الصلاه عليه ودفنه فى الموقع ويبكى بحرقة وهو يتذكر اللحظة .
ويحكى لنا فكرة تقطيرالمياه عندما عرض عليه زميله الأسوانى ” فتح الباب ” فكرة تقطير المياه عن تطريق تكثيف البخار التى درسوها فى المدارس الثانوية الصناعية ، وبعد تحمسهم للفكرة قاموا بتنفيذها بواسطة “جركن حديد” تم توصيله بآخر عن طريق ماسورة حديد وقاما بملأ أحدهم بالماء المالح وكانوا يقوموا بتسخين المياه بالفلنكات الخشبية التى تبطن الساتر الترابى للنقطة الحصينة
ثم يقوما برش المياه على الجسم الخارجى للجركن الثانى الذى يتجمع فيه البخار فيتكثف ويصبح ماء وبهذه الطريقة تم التغلب على مشكلة قلة الماء ليظل الجميع على قد الحياة طوال فتره الحصار . ويقول : كانت الصعوبة فى التحايل على الحصار المحكم من أجل الحصول على الماء المالح .
الحقيقة .. أن ذكريات أخى ” نورالدين ” و ” عمر يس ” أمد الله فى عمره وأصدقائهم عن الحرب وسنوات خدمتهم فى القوات المسلحة المصرية لم تنته ، وهنا لابد أن أؤكد على دور ” المقاتل المصرى ” ولا يستطيع أحدا أن ينكر دور ” الجندى ” الذى لايقل أهمية عن دور ” القائد ” فى المعركة وأأكد انه يجب على الدولة أن تنقب عن هؤلاء الأبطال لتكرمهم عرفانا وتقديرا لـ التضحيات التى قدموها من أجل وطنهم ، وهنا لابد أن أشير أن الإعلام يغفل دوما دور هؤلاء الأبطال الحقيقيين فى المعكرة .
كانوا رجالا وأبطالا رغم حداثه سنهم وكانوا جيلا مختلفا عن الأجيال الحالية جيل تحملوا المسئولية صغارا وصنعت منهم رجالا وأبطالا .. وللحديث بقية إن شاء الله .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.