ابطال الوطن .. افضل من فينا .. من حكايات ” الولاد والأرض “

زوجة الشهيد نبيل السيد :" سيرة البطل تاج فوق راسى انا واولاده "

كتبت : محمد نبيل محمد
البهجة تتسع حتى تملىء ارجاء القلب وفى العين صورة لها صوت ضحكة عالية يتردد صداها فى الاسماع دائما حتى كادت ان تخفى أنات الحزن الصامت والمكتوم , ترنو عين الزوجة الحبيبة ناحية الباب وتطيل النظر كانها تنتظر شروقا جديدا , تتوضأ فى ضى الامل كل سحر لتقيم صلاة الوجد المتصل بحبيب غاب وطال بعاده , تتساءل كل صباح هل من شروق يلوح فى الافاق ؟
ومن اعماقها تتسرب اجابات سعيدة دون صوت هى تشبه الهمهمات الى حد بعيد , تأتى ببشارات الفرح , تهمس قريبا من كتفها وكأنها تربت عليه بحنان هى اعتادته قديما , لا لم يكن قديما بعيدا لهذه الدرجة , بل منذ لحظات معدودات معلومات , هى تعد بدقة تلك اللحظات التى تراها بعيدة , وهو يأتى دائما دون ان يدق الباب او حتى دون يفتح هذا الباب الذى مازال مفتوحا على مصراعيه يحتضن الامل , ويستعذب انتظار الغائب الحاضر – دائما – وقبل ان يتشابك جفنيها , ترد هى السلام بالمثل وتزيد على من حياها كما اعتاد مع كل قدوم , وتمد يمينها لتمسح على جبينها برفق , تتحسس موضع قبلته , التى مازالت دافئة , وكأنها الآن ! , وتعود فتبتسم , وترتسم البهجة من جديد على وجه يشع حبا كعين الماء الصافية , وتتعالى الهمهمات الضاحكة حتى تسحب يمينها من على جبينها مسرعة الى فاها لتفبض عليه وتمسك ضحكاتها السعيدة الا ما تفلتت منها متجهة الى صورة عشيقها وحبيبها وصديقها وزوجها , فلتفت بلهفة اليه لتتقاطع بنظراتها مسار نظرته المحدقة اليها وكأنه فى كل مرة يراها لاول مرة , وهى تتدلل , معلنة رفضا باطنه القبول : ” سيبنى اشوف مصالح البيت واراعى ولادك شوية وارجع اكلمك ” , والرجل الذى لم يرجل قد اخذ مع قلبها عقلها وذهب بهما بعيد , هناك فى زاوية البيت واستقر به وبهما المقام عند صورته التى تعتلى وسام الشجاعة الذى منحه له كل المصريين!.
وتمسك السيدة هدى عبد الحميد محمد بعضا من انفاسها المتلاحقة ثم تطلقه زفيرا مندفعا دافئا حتى هدأ وجدانها وشرعت فى حكايتها عن هذا الحبيب الغائب الحاضر : ” .. الشهيد المقدم نبيل السيد محمد الردة درس فى كلية الحقوق جامعة القاهرة وتخرج عام ٢٠٠٠ والتحق بكلية الشرطة ظباط متخصصين ثم تخرج واستلم اول محطات عمله بالشرطة فى الصعيد وقضى فيها سنتين وبعد ذلك أقام ثلاثة سنوات إضافية في مركز ديروط باسيوط ثم عاد إلى القاهرة برتبة نقيب وتعين فى ادارة شرطة السياحة والآثار بالقاهرة , ومكث فيها لحين استشهاده يوم فض اعتصامى رابعة والنهضة ١٤/٨/٢٠١٣ وهو على رتبة رائد وحينها كان له ثلاث أبناء هم سارة وسما ومحمد نبيل , سارة كان عندها 13 سنة وسما كان عندها ٧ سنين ومحمد ٤ سنين وقت استشهاد البطل , وتاريخ زواجنا ٢٣/٧/١٩٩٨, وهو دائما ما كان يشجعنى على اداء عملى باتقان وتفانى حتى تدرجت الى مدير عام بمجلس الدولة وله كل الفضل فيما وصلت اليه انا واولادى من نجاح فى حياتنا العملية والدراسية “.
وعن علاقة البطل باسرته تحكى :” .. أخواته هم أحمد السيد محمد كان يعمل ظابط في القوات الجوية الان على المعاش , وأشرف موظف بحسابات وزارة الداخلية , والهام موظفة تعمل فى مكتب الصحة بالحسابات , اما والدته السيدة فريحة مصطفى كان لها ابنا بارا وكانت عنده اهم من اى مخلوق فى الدنيا , وكان مهتم جدا بوالدته لدرجة انه لم يمر يوما الا ويذهب كل صباح اليها او بعد انتهاء عمله قبل ان يأتى الى بيته , ويقوم بالسهر على كل امور والدته ولا يهدأ له بال حتى تدعو له والدته بجميل الدعوات , وكان يقول :” انا مش حامشى الا لما احس من دعواتك انك راضية عنى يا امى ” وهي كانت روحها فى البطل , وكان كثير السئوال والزيارة لاخواته حبا فيهم وحبا فى والدته ووالده , كان يقول لى :” انا بحب اخواتى علشان بحب امى وابويا واحب اطيع ربى فيهم “, حتى ان اخر كلماته لى كان بيوصنى على والدته ووالدتى ويقول لى : “خالى بالك من نفسك ومن الاولاد ووالدتى ووالدتك”.
وعن علاقاته باصدقائه تحكى زوجة الشهيد نبيل السيد الردة :” الشهيد كان محبوب بين اصحابه وعلى اتصال بهم دائما , منهم أصحاب الطفولة والدراسة , وهو أستاذ وائل سامى وهو من اعز أصدقائه , ومنهم أصدقاء العمل العميد محمد طلعت وآخرين كثيرين جدا وكلهم على تواصل بأبمائه حتى الآن , اما جيرانه , فكان حسن العشرة معهم , وكثيرا ما يقتطع من وقته الضيق اوقاتا ليساعد بعضهم فى حل اى مشكلة تواجه اى احد من الجيران , وكان جميل اللسان مع كل من حولنا , لذا حزموا عليه وكأنه اخا او ابا لكل منهم “.
وعن يوم ١٤/٨/٢٠١٣ تحكى زوجة الشهيد نبيل السيد الردة :”.. الساعة الثامنة صباحا نبيل استيقظ من نومه لكي يذهب إلى عمله رغم ان اليوم ده غير مستقر أمنيا وكانت المظاهرات في كل مكان ولكنه أصر انه يذهب إلى عمله رغم أن أصدقائه الظباط قالوا له بلاش تنزل وتيجي احنا موجودين ومش هنمشي وأيضا مديره قال نفس الكلام بلاش تنزل النهاردة ولكنه أصر وقالي ماينفعش اسيب زملائي هما سهرانين وتعبانين ولازم اروح لهم هما بردوا عندهم اولادهم وزوجاتهم وقلقانين عليهم ومن حقهم يرتاحوا ويطمنوا اهلهم , وفطر وشرب الشاى واخد كحك العيد اللي كان أول مرة يتذوقة بسبب عدم وجوده معانا في العيد بسبب طوارئ الشغل , واتوضأ وقال لى ها نزل اصلي الظهر في المسجد كالعادة لانه كان حريص على صلاة كل فرد في المسجد أوفى جماعة مع زملائه وسلم عليا انا والأولاد وكان سلام اول مرة يحصل انه يقبلني من جبيني وهو متوضأ , اتاري كانت قبلة الوداع وانا ماكنتش اعرف , وسلم وقبل الاولاد , وجرى على السلم , وفى لحظة لقيته اختفى من امام عينى , كان مستعجل اوى, وكأن فى حاجة تانية حلوة مستنياه , ومشى وراح الشغل وقابل زملائه وهما كذلك أصروا عدم الذهاب إلى البيت انهم مش ممكن يسبوه لوحده نفس الإصرار والعزيمة وهي من صفات اخواتنا الظباط وجاب ليهم الغداء واتغدوا مع بعض , وبعد الغداء امهم لصلاة العصر وبعد ذلك اتصل بي علشان يطمن عليا انا والأولاد وقال لى قومى صحى البنات علشان تصلوا العصر وكان آخر اتصال أو كلام بينى وبينه وبعد فترة اذنت المغرب صلى وزملائه قالولوا امش بقى ميعاد عملك انتهى من بدرى, وهو فى طريقه الى البيت وأثناء تواجده بمنطقة المحور وأثر تداعيات امنيه عقب فض اعتصام النهضة ورابعة العدوية قام مسلحون من الجماعة الارهابية بأستهدافه وإطلاق الأعيرة النارية مما أدى إلى إصابته ثم استشهاده ..,
وفي وقت اننا كنا منتظرين في البيت فوجئت باتصال من التليفون وشخص غريب ويقول لى أن صاحب التليفون دا توفي انا كنت في حاله هستيرية وكنت بقوله هو عامل ايه هو كويس طمني عليه يقولي يا مدام انا المسعف وصاحب التليفون توفي قولت له طمني عليه في نفس اللحظة بنتي سارة كان عندها في هذا الوقت ١٣ سنة وأخذت مني التليفون وهي بتصرخ انت مين ايه اللي انت بتقوله دا كان كل تفكيرنا أن تليفونه اتسرق منه وحد خدوه بيكلمنا ماكنتش مصدقين وانا والأولاد الصغيرين وكلنا في صدمة كبيرة ومش مستوعبين اي حاجة اي كلام وسبت الاولاد وكلمت اختي وكلمت ابن اخوه وأعماله اقولهم نبيل اتصاب واني على اعتقاد تام انه اتصاب على رغم المسعف انه قالي كذا مرة انه توفي وفعلا روحت مستشفى الشرطة ودخلت عليه وشفته كان وشه زي البدر ومبتسم كعادته وشه بشوش ومبتسم في وش الناس ودايما يقولي البسمة في وجه أخيك صدقة والكل في البيت في الشارع في المسجد يأخذوا بكلامه ورايه ومشورته الناس كلها بتحبه واحنا عايشين لغاية دلوقتي بسيرته الطيبه بين الناس بيحبوا أولاده ويساعدونا ويقفوا جنبينا في أي وقت وكان دايما يوقف ويحل اي مشكلة تقبله بحكمه وباصول ودايما حريص على قرأته في المصحف وأنه يختمه بصفة مستمرة وكان بتقولي أن حب الناس دا كنز لا يقدر بمال وامي حزنت عليه بطريقة لاتوصف والحاجة ولدته كان ربنا مصبرها صبر فوق الوصف امي تقولها ازي ربنا مصبرك كدا يارب صبرني انا كمان زيك كدا امي على طول لغاية دلوقتي حزينة عليا وبتدعيله بالرحمة والمغفرة ودايما سيرتة على لسانه وبندعيلة دايما بالرحمة أولاده سارة وسما ومحمد كنا بنقعد مع بعض وكل واحد يفتكر موقف مع بابا يمكن سارة ليها مواقف كتيرة مع باباها لكن سما ومحمد كانوا صغيرين اوي حتى انا بفكر كتير فى مواقف كتيرة بيني وبينه شوية تضحكني وارجع افتكر ابكي كنت نفسي ان يشوف أولاده وهما بيكبروا واحدة واحدة ادامه بس لله الأمر من قبل ومن بعد رحمة الله عليك يا رفيق عمرى , وستظل سيرة البطل تاج فوق راسى انا واولاده “.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.