ابراهيم نصر يكتب : الزرع في شهر رجب والحصاد في رمضان

اختص الله تعالى خير أمة أخرجت للناس، أمة نبيه وحبيبه محمد – صلى الله عليه وسلم – بنفحات في أيام الدهر لكي تتعرض لها فتزيد من حسناتها.
يقول – صلى الله عليه وسل-: “إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَات فَتَعَرَّضُوا لها، لَعَلَّهُ أَنْ يُصِيبَكُمْ نَفْحَةٌ مِنْهَا فَلَا تَشْقَوْنَ بَعْدَهَا أَبَدًا”، ومن هذه النفحات الأشهر الحرم، وقد أظلنا في هذه الأيام شهر رجب، وهو من الأشهر الحرم التي أمر الله سبحانه وتعالى بتعظيمها وإجلالها، يقول تعالى: “إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنفسكم”، وقال صلى الله عليه وسلم: “السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ”. فينبغى علينا أن نعرف قدر هذا الشهر الحرام، وأن نحذر من المعصية فيه، فإنها ليست كالمعصية في غيره بل المعصية فيه أعظم، كما قال سبحانه: “يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ”، وقال قتادة – رحمه الله -: “إنّ الظلمَ في الشهرِ الحرامِ أعظمُ خطيئةً ووزراً من الظلمِ فيما سواهُ، وإنْ كان الظلمُ على كلِّ حالٍ عظيماً، ولكنَّ اللهَ يُعظِّمُ من أمرِه ما شاء، وقال أيضا: “إنَّ اللهَ اصطفى صَفايا من خلقِه، اصطفى من الملائكةِ رسلاً، ومن النّاسِ رسلاً، واصطفى من الكلامِ ذكرَه، واصطفى من الأرضِ المساجدَ، واصطفى من الشهورِ رمضانَ والأشهرَ الحُرمَ، واصطفى من الأيّامِ يومَ الجمعةِ، واصطفى من اللَّيالي ليلةَ القدرِ، فعظِّموا ما عظَّم اللهُ، فإنّما تعظَّم الأمورُ بما عظَّمها اللهُ عند أهلِ الفهمِ والعقلِ”.
فشهر رجب وسائر الأشهر الحرم يجب أن نعظمها، وأن نقف حول الأحداث التي وقعت فيها، لنأخذ منها العبر والدروس، كمعجزة الإسراء والمعراج التى وقعت فى شهر رجب، فلما عرض النبى – صلى الله عليه وسلم – نفسه على الطائف، رفضوا دعوته، ورموه بالأحجار، وأغلقت الأبواب فى وجهه، وكأن الله تعالى يقول له بهذه الرحلة: إذا كانت الأبواب قد أغلقت أمامك فى الأرض، فإن أبواب السماء مفتوحة أمامك يا محمد، لذا فتعد هذه الرحلة المباركة أعظم تكريم للنبى صلى الله عليه وسلم وأمته، وفى هذه الرحلة كانت هدية الصلاة، لتكون خمسا فى العمل، وخمسين فى الأجر.
وشهر رجب هو شهر الاستعداد النفسى والبدنى والروحى لاستقبال شهر رمضان المعظم، وفي شهر رجب تتشوق نفوس المؤمنين لرمضان وتهب عليهم نسائمه، ويستشعرون قربه، حتى قيل: “شهر رجب شهر الزرع، وشعبان شهر سقي الزرع، ورمضان شهر حصاد الزرع”، ومن هنا يجب الاستعداد لشهر رمضان المعظم فى هذا الشهر الحرام بالتوبة، والمبادرة بالأعمال الصالحة، والإكثار منها لكي يدخل الإنسان في شهر رمضان وهو في أتم استعداد وقرب من الله – عز وجل – يقول الشاعر:
بيِّض صحيفتك السوداءَ في رجب
بصالح العمل المنجي من اللهب
شهـرٌ حرامٌ أتى من أشهر حرم
إذا دعا اللهَ داع فيه لم يخب
طوبى لعبد زَكَى فيه له عملٌ
فكف فيه عن الفحشاء والريب
فعلى المسلم أن يبتعد فى هذا الشهر الحرام عن الذنوب والآثام، وظلمه لنفسه ولغيره، وألا يعتدى عليهم بسفك دمائهم، أو بأكل أموالهم وحقوقهم، أو بالخوض فى أعراضهم، وتتبع عوراتهم، وإفشاء أسرارهم، وإلحاق الأذى بهم.
وختامها أذكر بما ورد عن النبى – صلى الله عليه وسلم – أنه قال وقت دخول شهر رجب: “اللهم بارك لنا فى رجب وشعبان وبلغنا رمضان، اللهم سلمنا إلى رمضان وسلم رمضان لنا وتسلمه منا متقبلا يا أرحم الراحمين، اللهم بلغنا رمضان لا فاقدين ولا مفقودين”.
اللهم آمين يارب العالمين.
[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.