جيهان عبد الرحمن تكتب : لماذا يصنعون القبح؟

في الوقت الذي تستعد فيه العجلات الحربية تسبقها الخيول من فرق الحرس الجمهوري لتتهادي علي الانغام الملكية لحدث أسطوري عظيم ينتظره العالم أجمع بلا مبالغة لنقل مومياوات اثنين وعشرون ملكا من ملوك مصر القديمة من المتحف المصري بالتحرير إلي متحف الحضارة بالفسطاط, حيث يتم تزيين مسار الرحلة بما يليق بها من جداريات ونقوش تعود بنا إلي تاريخ عظيم قبل 3100 عام قبل الميلاد, مازال العالم أجمع يقف حائرا أمام عظمته ودقة تفاصيله, حتي نستفيق من هذا الحدث العظيم المرتقب علي كابوس مزعج وعمل مشوه جملة وتفصيلا أٌلصق به زورًا وبهتانا مسمي” مصر تنهض “لكتلة رخامية غير متناسقة يميل الرأس فيه وكأنه مكسور وملامح وجه غريبة وكأنه تمثال لسيدة من عالم الأقزام. .
وبعيدا عن حملة السخرية والتنمر التي حظي بها هذا التمثال في كل صفحات التواصل الاجتماعي ربما لتشابه الاسم الذي أختاره صانع العمل مع تمثال نهضة مصر للفنان الكبير محمود مختار أحد رواد فن النحت في مصر(1891-1934) والمرتبط بفترة سياسيه هامه من تاريخ مصر الحديث حيث المطالبة بالاستقلال عن الاحتلال الإنجليزي لمصر و تم الاكتتاب الشعبي لإقامة التمثال ساهمت فيه الحكومة وذلك بعد أن نال نموذج التمثال علي شهادة الشرف في معرض الفنانين الفرنسيين عام 1920 وأزيح عنه الستار في مايو 1928 أمام محطة السكة الحديد في ميدان رمسيس ثم نقل عام 1955 إلي ميدان النهضة أمام حديقة الحيوان بالجيزة ليخلي المكان لتمثال رمسيس الذي نقل هو الأخر مؤخرا للمتحف المصري الجديد في ميدان الرماية.
وفي محاولة صانع التمثال تبرير عمله في أول فيديو له بعد الضجة التي صنعها أقر أنه كان يقصد مصر وكأن هناك كتلة أسمنيه تكبلها لكنها تخرج من الكتلة الحجرية وقال ان النحت بالحذف من الكتل الكبيرة يحتاج مجهود كبير وان تمثاله لم يكتمل بعد وأنه مستاء من حملة السخرية والتنمر وأنه حاصل علي العديد من الجوائز الهامه وأن له تاريخ طويل في الفن التشكيلي منذ عام 1994وانه حاصل علي المركز الأول في الرسم علي مستوي الجمهورية وعمره 11عام وانه مثل مصر في بنيالي فينسيا العام الماضي.
في الحقيقة لم أقتنع بما قاله الرجل الذي بدا لي مقتنع بما اقترفت يداه, والمشكلة لدي أنه ألصق به أسم مصر بهتانا وزورا, في وقت شديد الحساسية تحديات سياسية واقتصاديه داخليه وخارجيه من كل حدب وصوب, ترتقي في خطورتها وأهميتها مع ظروف نهضة مصر وقت محمود مختار.
أمام هذا اللغط الذي خلفه تمثال أستدعي كل معاني القبح بالنسبة للمتلقي غير المتخصص, والذي أستاء من أعمال كثيرة تم تشويها في غفلة من الزمن نتيجة لتواطؤ أو فساد أو مجامله من قبل المحليات التي أسندت أعمال صنعها فنانون عظماء من الرواد إلى نقاشون وعمال ترحيلات وعليه تحول تمثال أحمد عرابي إلي الرجل الأخضر وتمثال أم البطل بمحافظة سوهاج إلي رمز للتحرش وتمثال نفرتيتي الذي بات أكثر التماثيل إثارة للسخرية وعروس البحر التي بدت كالراقصات وأمثلة أخري كثيرة نتيجة إسناد الأمر إلي غير أهله.
وحتي لا أنفرد برأي حول تمثال أراه حلقة في سلسة من القبح وعلامة من علامات التردي توجهت بالسؤال إلي الدكتور محمد العلاوي الفنان والنحات العالمي أستاذ النحت الميداني بكلية الفنون الجميلة جامعة حلوان والذي أستبعد أن يكون صانع هذا العمل المشوه عضو هيئة تدريس, وقال أن هناك من لا يجد طريقة للشهرة إلا ارتكاب جريمة بشعه يتحدث عنها الناس وهذا العمل من تلك العينة التي تحرك غضب أي متذوق للفن فما بالنا برأي الفنان المبدع المحترف.
د. العلاوي لا يجد أي احتراف في هذا العمل فمن حيث الشكل لا يوجد أي توافق بين أجزاء العمل ولا توجد قيم جمالية ولا حس راق وكون العمل في خامة صلبه لا يعطيه العذر في اقتراف هذا القبح فكم من أعمال رائعة تم نحتها في الجرانيت مثل أعمال محمود مختار ومن ناحية المضمون فقد خانه التعبير اذ كيف تكون مصر بهذا الشكل الغريب القزمي المشوه ويؤكد أن الكارثة ليست في أنه أنتج هذا العمل وإنما قي ظنه أنه جميل ويستحق أن يستمتع به جمهور متذوق للفن وهذا أدهي وأمر. وهنا تكمن المشكلة ممن يحسبون أنهم يحسنون صنعا. حفظ الله مصر
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.