لواء دكتور/ سمير فرج يكتب : دائماً هناك أشياء أخرى

يؤكد الجميع أن العلم هو أساس المعرفة والتقدم، وهو ما أؤكد عليه، أيضاً، ولكنني أضيف إليه، ما اكتسبته في حياتي، من خبرات، بأنه يوجد، دائماً، أشياء أخرى، تؤثر عل معرفتك، وخطوات تقدمك؛ وهو ما تأكدت منه في تجربتي الأولى، حينما كنت طالباً، بكلية كمبرلي الملكية، بإنجلترا، وعند انقضاء الفصل الدراسي الأول، وطبقاً لأساليب، ونظم، التعليم بها، يتم عقد لقاءات، فردية، بين رئيس القسم، بالكلية، وكل طالب، على حدة، لتقييم مستوى تقدمه العلمي، وتوجيهه لنقاط الضعف، الواجب التركيز عليها في الفصل الدراسي اللاحق.

سار لقاءي بأستاذي، على خير ما يرام، خاصة في ظل تفوقي الدراسي، وحصولي على تقدير امتياز بجميع التخصصات، وهو ما أشاد به رئيس القسم، لعلمه باختلاف عقيدتي العسكرية، المنتمية للتحالف الشرقي، عن تلك الغربية التي أدرسها بالكلية الملكية … وفجأة انتابته حالة من الذهول، وهو يردد بأن تقريري يحتوي على خطأ مطبعي، بلا شك، فيما يخص الأنشطة الاجتماعية، فقد كان تقديري فيها “ضعيف جداً”، أي صفر.

فسألته عن المقصود بالأنشطة الاجتماعية، فأجابني بأنها الأنشطة التي تنظمها الكلية، خارج حدود المحاضرات، مثل زيارة البرلمان البريطاني، أو صحيفة Sunday Times، أو زيارات المتاحف، ودار الأوبرا، ومنظومة الحكم المحلي بالمدينة، وغيرها من الزيارات التي تتم خلال العطلة الأسبوعية لجميع الطلاب. وهنا أكدت له، بأن تقريري سليم، إذ أنني لم أشارك في أي من تلك الأنشطة والزيارات، موضحاً أنني قد أقضي أيام السبت، من كل أسبوع، لمراجعة موضوعات الأسبوع المنصرم، بينما أقضي أيام الأحد، في الاطلاع على موضوعات الأسبوع التالي، لأستعد لها، في ظل اختلاف الموضوعات عما درسته في حياتي العسكرية.

لم يقو رئيس القسم على إخفاء غضبه، الذي بدا في نبرات صوته التي علت، وهو يصيح بأن فلسفة الكلية الملكية لا تقوم على تلقي العلم الموجود في صفحات الكتب والمراجع، لتفريغه في ورقات إجابات الاختبارات، بغرض الحصول على أعلى التقديرات، فحسب، وإنما تهتم الكلية بأن يتميز خريجيها بأعلى درجات الوعي والثقافة، في مختلف مجالات الحياة، وليس الحياة والعلوم العسكرية، فقط، وهو ما لا يتسنى لطلاب الكلية، سوى بالمزج بين مجالات الحياة المختلفة؛ عسكرياً، وسياسياً، وثقافياً، واقتصادياً … ومن هنا عنيت الكلية الملكية بتنظيم تلك الزيارات الخارجية لطلابها، لتوسيع مداركهم، وصقل خبراتهم، وهو ما تعتبره الكلية، جزء لا يتجزأ من المواد العلمية، ولا يقل أهمية عما يتلقاه الطالب داخل جدران الكلية … فالحياة مليئة بأشياء أخرى، غير ما تحتويه الكتب.

وفي نهاية اللقاء، قرر، رئيس القسم، أن أحصل كل ما فاتني، من أنشطة اجتماعية، خلال الفصل الدراسي الأول، مع التأكيد على استكمال الأنشطة في الفصل الراسية التالية؛ الثاني، والثالث، والرابع … ولو قلت أن ما تعلمته خلال تلك الزيارات، لا يقل أهمية عما تعلمته في الكتب والمراجع … فلن أكون مبالغاً أبداً.

أما الدرس الثاني، فكان بعد عودتي من إنجلترا، لأكون مدرساً في كلية الأركان حرب المصرية، وبعد لقاء السيد مدير الكلية، الذي استقبلني بحفاوة بالغة، قائلاً أنه ينتظر من الضابط المصري، الذي درس في إنجلترا، بعد انقطاع دام عشرون عاماً، أن يقدم لنا الجديد في العلم، والمناهج لتطوير الكلية، توجهت للقاء المدير الإداري، لاختيار مكتبي الجديد، بين أعضاء هيئة التدريس، والذي أفاد بأن لديه ثلاثة بدائل، للتزامل مع أحد أعضاء هيئة التدريس، أولها أن اتزامل في مكتب مع العميد صلاح فهمي نحلة، فسألته إن كان سيادته نفس الضابط الذي خدم في هيئة عمليات القوات المسلحة، وقت حرب أكتوبر؟ ولما رد بالإيجاب، لم استمع إلى باقي البدائل، فقد كان من حسن حظي، أن أزامل هذا البطل العظيم، الذي كلفه اللواء الجمسي، والرئيس السادات، باختيار توقيت حرب أكتوبر، فقدم دراسة متكاملة عن أسبابه في اختيار شهر أكتوبر، واليوم السادس، والساعة الثانية ظهراً، موعداً للحرب، وشن الهجوم. وكان أثناء الحرب ضمن مجموعة التخطيط المصرية، فكنت أراه من بعيد، متمنياً الاقتراب منه، والحديث معه.

قضيت مع العميد صلاح فهمي ثلاث سنوات كاملة، أدين له فيهم، بعد الله سبحانه وتعالى، بنصف ما تعلمته في عمري كله، كان هادئ الطباع، يؤمن بأن إعمال العقل، هو أحد وسائل شكر المولى، جل وعلا، على تلك النعمة العظيمة. تحدثت معه، بكل شفافية، عن رغبتي في نقل كل الجديد مما تعلمته في إنجلترا إلى مصر، وبدأنا في وضع خطة العمل، والتي كان أكبر تحدياتها، هو نقل فكر عسكري جديد، وهو العقيدة الغربية، والتي تختلف، تماماً، عن الفكر الموجود المبني، على العقيدة الشرقية السوفيتية، بينما معظم أعضاء هيئة التدريس، ممن درسوا في أكاديمية فرونزا، بالاتحاد السوفيتي، وأنا أصغر أعضاء هيئة التدريس سناً، ورتبةً، فجميعهم في رُتب أعلى، ومروا بخبرات قتالية أكبر.

كان من الطبيعي أن يظهر الصراع التقليدي بين التطوير وما هو مُطبق بالفعل، فساعدني العميد صلاح فهمي، وعلمني، رحمه الله، كيفية نقل هذا الفكر، بانسيابية، دون الدخول في صراعات أو خصومات، وساندني ودعمني، حتى استطعنا تقديم مفاهيم جديدة، وأساليب جديدة، مما تعلمته في إنجلترا. وأتذكر فكرة “نوتة الأركان”، التي يعتمد عليها ضابط العمليات البريطاني، ويعمل بها معظم ضباط حلف الناتو، وبالمثابرة والجدية، نجحنا في تعميم هذه النوتة، لتكون أحد أساسيات ضابط الأركان في القوات المسلحة المصرية. ولعل فكرة الدفاع المتحرك، الذي يعتنقه الفكر العسكري الغربي، ومنهم الجيش الإسرائيلي، كان أحد أهم الموضوعات، التي نجحنا في تضمينها في الفكر العسكري المصري الجديد.

ولازلت أشهد بأنه لولا دعم العميد صلاح فهمي، رحمه الله، لي في هذه المرحلة، لما استطعت تقديم شيئاً؛ فقد تعلمت منه، أسلوب وفن التعامل مع الآخرين، وهو علم وفن، لا تعلمه لك المراجع، ولا الجامعات، ولقد أطلقت على ذلك الأسلوب اسم “الذكاء الاجتماعي” … وعلمت، مرة أخرى، أن هناك دائماً أشياء أخرى لن تحتويها الكتب.

Email: [email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.