
محمد يوسف العزيزي
تحتفل مصر بالذكرى الثالثة والخمسين لنصر أكتوبر المجيد، ذلك النصر الذي لم يكشف كل أسراره بعد، ولم تنتهِ حكايات بطولات رجاله لكنه سيظل علامة فارقة في تاريخ مصر المعاصر وشرفًا للعسكرية المصرية وعزة وكرامة وفخرًا للشعب المصري.
لم يكن أكتوبر مجرد انتصار عسكري استعاد الأرض وبدد آثار هزيمة يونيو 1967 رغم أن عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف وإقامة رؤوس الجسور على الضفة الشرقية للقناة تمثل واحدة من أعظم صفحات التاريخ العسكري الحديث، لكن القيمة الأعمق للنصر تتجاوز تفاصيل المعركة إلى ما صنعته داخل الإنسان المصري نفسه.. لقد أعاد أكتوبر للمصري ثقته بقدرته على الانتصار.
بعد سنوات قليلة من هزيمة يونيو كان الجرح أكبر من مساحة الأرض المحتلة، فقد أصابت الهزيمة ثقة المصري في قدرته على مواجهة خصم بدا في ذلك الوقت متفوقًا عسكريًا إلى حد يصعب معه تصور كسر هذا التفوق!
ثم جاءت حرب أكتوبر لتثبت أن الهزيمة ليست قدرًا وأن التفوق العسكري ليس حقيقة أبدية وأن الإرادة حين تستند إلى العلم والتخطيط والتدريب والصبر تستطيع أن تغير معادلات تبدو مستحيلة، ومن هنا ولدت “روح أكتوبر”
لم تكن مجرد شعار ارتبط بالاحتفالات والأغاني والخطب، وإنما حالة وطنية تشكلت من تجربة حقيقية عاشها المصريون.. حالة تقول إن الوطن يستطيع وإن الإنسان المصري يستطيع، وإن الطريق إلى النصر يبدأ باستعادة الثقة بالنفس والإيمان بالقدرة على تجاوز أصعب الظروف.
ولهذا بقيت ذكرى أكتوبر حاضرة في الوجدان المصري بعد 53 عامًا من الحرب، فالأرض عادت والحدود استقرت وانتهت المعركة العسكرية.. لكن الدرس لم ينتهِ
وهنا تبدأ الحكاية الأهم.
إذا كان الجيش قد خاض معركة استرداد الأرض فإن المجتمع يخوض اليوم معركة حماية الوعي.. وفي المعركتين تظل الإرادة هي السلاح الأول
لقد تغيرت طبيعة الحروب وتغيرت أدوات الصراع ولم تعد كل المعارك تحتاج إلى دبابة أو طائرة أو جندي يعبر مانعًا مائيًا.. هناك معارك أخرى تجري في فضاء مختلف تستهدف العقل قبل الأرض والإرادة قبل القدرة والثقة قبل القرار!
الشائعة يمكن أن تصبح سلاحًا والمعلومة المضللة يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط والإحباط يمكن أن يستنزف إرادة مجتمع، والاستقطاب يمكن أن يضرب المساحات المشتركة التي تجمع أبناء الوطن الواحد!
وبناء عليه تصبح معركة الوعي امتدادًا طبيعيًا لروح أكتوبر، لا موضوعًا منفصلًا عنها.
فالمصري الذي استطاع في أكتوبر أن يعبر قناة السويس ويكسر خطًا عسكريًا اعتقد كثيرون أنه عصي على الاختراق يحتاج اليوم إلى وعي يمكنه من عبور خطوط أخرى لا تظهر على الخرائط، لكنها تمتد داخل العقل والمجتمع.. خطوط تفصل بين الحقيقة والشائعة وبين النقد الذي يصحح المسار ومحاولة هدم الثقة، وبين الاختلاف الطبيعي الذي يثري المجتمع والاستقطاب الذي يحوله إلى ساحات متصارعة.
وهنا تكمن أهمية الوعي لأنه لا يحمي الإنسان من الشائعة فقط، وإنما يحمي قدرته على التفكير واتخاذ القرار، ويحمي المجتمع من الانسياق وراء الخوف أو الإحباط ويحافظ على قدرته على رؤية الصورة كاملة وسط كم هائل من المعلومات المتضاربة.
وإذا كانت معركة أكتوبر قد احتاجت إلى جيش قوي وإعداد طويل وإرادة سياسية وشعب يقف خلف قواته المسلحة، فإن معركة الوعي تحتاج هي الأخرى إلى دولة قوية وإعلام مسؤول وتعليم يعلّم التفكير لا الحفظ فقط، ومجتمع يملك القدرة على التحقق قبل التصديق والنقاش قبل الانقسام.
وهنا تصبح «روح أكتوبر» أكبر من ذكرى حرب لأنها تتحول إلى منهج في النظر إلى الأزمات.
فالأزمة ليست هزيمة، والاختلاف ليس مؤامرة، والنقد ليس خيانة، والصعوبة ليست نهاية الطريق!
هذه الروح التي صنعت النصر قادرة على أن تجعل المجتمع أكثر قدرة على مواجهة أزماته إذا انتقلت من ذاكرة الاحتفال إلى سلوك يومي يقوم على العمل والثقة والوعي.
ولعل هذا هو المعنى الذي تحتاج الأجيال الجديدة إلى معرفته وهي تستقبل الذكرى الثالثة والخمسين للنصر، فالأجيال التي لم تعش أكتوبر لا يكفي أن تعرف أن الجيش عبر القناة وأن خط بارليف سقط، وأن الأرض عادت.. الأهم أن تعرف لماذا وكيف استطاع المصريون تحقيق ذلك، وما الذي يمكن أن نتعلمه من تلك التجربة بعد أكثر من نصف قرن.
لقد كان العبور في أكتوبر عبورًا من ضفة إلى ضفة، لكنه كان في الحقيقة عبورًا من الانكسار إلى الثقة، ومن الشعور بالعجز إلى امتلاك القدرة على الفعل.
واليوم نحتاج إلى عبور جديد.. عبور من الاستهلاك السريع للمعلومات إلى فهمها، ومن تصديق الشائعة إلى التحقق منها ومن الإحباط إلى الأمل ومن الاستقطاب إلى الاختلاف المسؤول ومن انتظار الحلول إلى المشاركة في صناعتها.. ذلك هو “عبور الوعي”
وفي ذكرى أكتوبر لا ينبغي أن نستعيد صور الماضي فقط، وإنما علينا أن نستعيد المعنى الذي صنعه.. أن نتذكر أن الأوطان لا تحميها الأسلحة وحدها، ولا الذكريات وحدها، وإنما يحميها الإنسان الواعي الذي يعرف قيمة وطنه، ويدرك حجم التحديات التي تواجهه ويمتلك القدرة على التمييز بين ما يستحق النقد وما يستهدف الهدم، وبين الحقيقة وما يُراد له أن يبدو حقيقة.
لقد استعاد المصريون الأرض في أكتوبر، لكن الحفاظ على الوطن يحتاج إلى معارك مستمرة، بعضها اقتصادي، وبعضها اجتماعي، وبعضها أمني، وأخطرها تلك التي تدور في العقل.
ولهذا فإن أفضل احتفال بأكتوبر ليس أن نكتفي بترديد أسماء الأبطال وإنما أن نحافظ على الروح التي صنعتهم وأن ننقلها من جيل إلى جيل.
تحية إلى شهداء مصر الذين دفعوا أغلى ثمن من أجل الأرض والكرامة وتحية إلى رجال القوات المسلحة الذين صنعوا النصر، وإلى كل مصري تحمل مسؤوليته في تلك السنوات الصعبة.
أما روح أكتوبر، فليست ذكرى نحتفل بها ثم نغادرها.. إنها إرادة لا تنكسر، وثقة لا تهتز، ووعي يعرف أن لكل معركة أدواتها وأن النصر يبدأ دائمًا من الإنسان.
في أكتوبر عبر المصريون الأرض.. واليوم علينا أن نعبر الوعي.