سؤال أعتقد أنه يدور فى ذهن وعقل كثير من المصريين ، خاصة بعد أن أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسى فى تصريح له ” أن عام 2030م سوف يكون نهاية مدة رئاسته للبلاد ، وكان الرئيس قد سبق أن أكد فى رسالة حاسمة له أنه لا مساس بالدستور .
ولكن قبل الاجابة عن هذا السؤال .. دعونا نعود إلى الوراء قليلا ، وقد طيرت بعض وسائل الاعلام منذ فترة قبل أن يدلى الرئيس بتلك التصريحات ، أخبارا مفادها أنه لابد أن يتم ” تعديل أو تغيير ” الدستور ووضع دستور جديد تقتضيه طبيعة المرحلة التى تمر بها الدولة ، وكان لأصحاب هذا الرأى أسبابهم ،
لكن الرأى العام فى مصر كانت له وجهة نظر مغايرة ، ولم يجد هذا الطرح قبولا لديه ، والبعض إعتبر أن تلك التلميحات ” جس نبض ” ولذلك تباينت الآراء بما يشبه الـ ” إنقسام ” داخل المجتمع المصرى ، وظهر طرح جديد على منصات التواصل يتبنى حملة توقيعات ألكترونية تطالب بتمديد حكم الرئيس حتى عام 2050م ، على غرار حملات سابقة مثل ” كمل جميلك ــ علشان تبنيها .. إلخ ” ، وكان لها أيضا مؤيد ومعارض .
وأعود لـ ” تصريحات ” السيد الرئيس التى قابلتها ردود أفعال محلية وعربية وعالمية لايسع المقام لذكرها ؛ ولذلك سوف أدلل على بعض ردود الأفعال من خلال بعض برامج ” التوكـ شو ” داخل مصر .. برنامج “الحكاية” استضاف الصحفى مجدى الجلاد الذى خسر الرهان فى تحدى عمرو أديب له فى ذكر “خمس” أسماء تصلح لحكم مصر بصورة تظهر سطحية الطرح أما برنامج “على مسئوليتى” على قناة صدى البلد الذى حرص على إستضافة بعض رموز المعارضة ” إن جاز لنا القول ” ، فى حلقة د. حسام بدراوى فشل مقدم البرنامج فشلا ذريعا فى إدارة حوار مثمر يحتكم إلى العقل والخبرة فى طرح الأسئلة فى لقاء أظهر مدى السطحية والهشاشة فى إدارة الحوار .
وبعيدا عن الجدل القائم دعونا نقف على أرضية مشتركة .. مصر فى الوقت الراهن وفى ظل التحديات الداخلية والخارجية لابد أن يحكمها رجل من المؤسسة العسكرية مع الوضع فى الإعتبار أن مسألة طبيعة الحكم ونظام الإدارة المناسب لمصر كان موضوعاً للنقاش والتحليل المستمر بين المؤرخين والمحللين السياسيين وعلماء الاجتماع ،
وفيه تعددت وجهات النظر وتتباينت القراءات للتاريخ المصري ( القديم والحديث) . ولذلك ربط البعض بين مفهوم ” الدولة المركزية القوية منذ عهد الملك مينا إلى يومنا هذا وبين الحاجة المستمرة لوجود سلطة مركزية قوية وموحدة تمنع التشرذم وتحافظ على كيان الدولة وأن تكون ذات صبغة عسكرية تمتلك القدرة على مجابهة التحديات وحماية الأمن القومى .
حتى وإن كان البعض يرى أن استقرار الدول وازدهارها على المدى الطويل يتأسس على تفعيل دور المؤسسات المدنية ، والفصل بين السلطات وتعزيز التعددية السياسية والمشاركة الشعبية .. إلخ ،
وأن هناك دول على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية يحكمها رئيس هو فى الأصل ” رجل أعمال ” ، وأيا ماكان الأمر ، فلكل بلد ظروفها وأوضاعها وهذا لايضيرنا فى شىء ، لأن المثل يقول ” أهل مكة أدرى بشعابها ” !!
أما إجابتى عن السؤال : من هو .. رئيس مصر القادم ؟
قد تكون مختلفة بعض الشىء .. فأنا لا يعنينى أن من يخلف الرئيس السيسى ” زيد أو عبيد ” مع إتفاقى التام أن يكون شخصا من المؤسسة العسكرية ولكن قبل الإجابة عن السؤال ، فأنا أرى أن مصر يجب أن تكون دولة مؤسسات أولا ، فيها تطبيق حقيقى لمبدأ الفصل بين السلطات ، فصل لاتتغول فيه سلطة على أخرى ، فيها تعزيز لـ ” التعددية الحزبية ” والمشاركة الشعبية ، فيها التنوع والثراء الثقافي والفكري وبناء التوافق المجتمعى ، تؤمن بحرية الرأى والفكر ، تحقق التوازن بين متطلبات الأمن والاستقرار من جهة ، وتطلعات التنمية والديمقراطية والمؤسسية من جهة أخرى ، تمتلك مرونة أكبر في التعامل مع الاقتصاد العالمي والسياسات العامة .
دولة فيها برلمان قوى قادر على أن يعبر تعبيرا حقيقيا عن إرادة الشعب ، لا برلمان تحكمه ” العصبية القبلية ” كما يحدث فى دوائر الصعيد ، أو يحكمه سطوة ” رأس المال ” لمن يدفع أكثر فى قوائم حزبية “مطلقة مغلقة” غير دستورية ، أو يأتى الاختيار من مباركة جهات عليا ،
وأنا أرى أنه لابأس من تشكيل برلمان مختار من بعض النخب المصرية ولو لفترة مؤقته لضبط الحياة السياسية والحزبية فى مصر ، ومن أجل تنقيح بعض القوانين ، وإرساء مبدأ مؤسسات الدولة وترسيخ الديمقراطية . والحقيقة أن الحياة السياسية فى أى بلد ديمقراطى لاتستقيم إلا بوجود المعارضة ” اليمين والوسط واليسار ” وأقصى اليمين واليسار ، ولايجوز أن تستقيم بأى حال من الأحوال بتهميش المعارضة أو إقصاء الرأى الآخر . ويجب أن يكون ذلك ممثلا تمثيلا حقيقيا فى البرلمان القادم
دولة تصلح ” الحياة الحزبية ” ، تعيد ” الأحزاب السياسية ” إلى سالف عصرها وأوانها ، لأن إصلاح الحياة الحزبية هو استثمار في قوة الدولة واستقرارها ، فالأحزاب القوية تخلق حياة سياسية أكثر نضجا وإستقرارا ،
والحقيقة أن قوة الحزب تكمن فى المشاركة السياسية وبناء الكوادر ، فالحزب هو الذى يربط المواطن بمؤسسات الدولة وله حضوره المؤثر فى الشارع ، والأحزاب هى مفرخة الكوادر فى البرلمان والحياة السياسية وفى تشكيل الحكومة ، أو حتى فى الترشح لمنصب رئيس الجمهورية ، وهناك قائمة طويلة لأحزاب سياسية حاكمة منها فى ” أستراليا ـ الأرجنتين ـ البرازيل ـ بلغاريا ـ كندا ـ الصين ـ فرنسا ـ ألمانيا ـ الدانمارك ـ وعدد من الدول الأفريقية .. وغيرها ” .
والحقيقة أن المجتمع المصرى بمختلف فئاته وأطيافه يتطلع إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة ، والعدالة الاجتماعية ، والريادة الإقليمية .. حفظ الله مصر