د. محمد وثيق الندوي يكتب : العالم الإسلامي

إن العالم الإسلامي يتمتع بمميزات عديدة متنوعة أكسبته أهمية استراتيجية كبيرة، كما جعلته موطن الصراع بين القوى العالمية، فإنه يشغل قلب العالم القديم، ويمتد على مسافة تقدر بنحو 20 ألف كم من الشرق إلى الغرب، كما يبلغ امتداده من الشمال إلى الجنوب أكثر من سبعة آلاف كم، من جبال الآرال شمالاً إلى موزمبيق جنوبًا، فيشرف بذلك على الأذرع المائية من البحار والمحيطات، ويتحكم في منافذها الهامة.
” فمن البحار الهامة التي يشرف عليها العالم الإسلامي: البحر الأبيض المتوسط،وهو من أهم بحار العالم من حيث القيمة التاريخية والتجارية، وكان في العصور الوسطى بحيرة إسلامية، وازدادت أهميته بعد شق قناة السويس، وبعد انتشار المواصلات الجوية، حيث أصبح طريقًا إجباريًا للطيران التجاري الجديد، والبحر الأحمر، وهو بحر إسلامي يمتلك المسلمون سواحله كلها، وقد ازدادت أهميته بعد اتصاله بالبحر الأبيض المتوسط بقناة السويس، وهو أخطر طرق المواصلات البحرية في العالم، باعتباره حامل البترول ومعبر التجارة الأساسية ومجال تدفق القوة العسكرية ما بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود والمحيط الأطلسي، وبين المحيط الهندي والمحيط الهادي، وبحر العرب الذي يمتد من مضيق باب المندب إلى الهند ويمتلك المسلمون سواحله كلها، والخليج العربي وهو بحيرة إسلامية، تشرف عليه سواحل شبه الجزيرة العربية الشرقية وإيران والعراق. و البحر الأسود. و بحر البنغال الذي تقع عليه بنغلاديش، وإقليم أراكان الإسلامي في بورما. وبحر الصين الجنوبي الذي يطل عليه العالم الإسلامي من جهة ماليزيا الشرقية، وبروني، وبورنيو الاندونيسية، ومورو في جنوب الفلبين.
وأما المحيطات الهامة التي تقع في العالم الإسلامي،فهي: المحيط الأطلسي الذي يمتلك المسلمون معظم سواحل إفريقيا الغربية المطلة على هذا المحيط من طنجة شمالاً حتى خليج بيافرا جنوبًا،و المحيط الهندي الذي يمتلك المسلمون قسطًا كبيرًا من ساحل كأفريقيا الشرقية (الصومال وتنزانيا) المطلة على هذا المحيط، كما يمتلكون شواطيء آسيا الجنوبية من باب المندب ، إلى كراتشي، وشواطيء ماليزيا، واندونيسيا،والمحيط الهادي الذي يطل عليه العالم الإسلامي من خلال بعض جزر إندونيسيا والفلبين.
وأما أهم المنافذ والممرات المائية التي يتحكم فيها العالم الإسلامي فهي: مضيق جبل طارق الذي يتحكم في اتصال المحيط الأطلسي بالبحر الأبيض المتوسط،ومضيق بنزرت الذي يحكم اتصال حوض البحر الأبيض المتوسط الغربي بحوضه الشرقي،ومضيق الدردنيل والبوسفور اللذان بينهما بحر مرمرة، ويحكمان اتصال البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأسود، وقناة السويس التي هي من أهم المنافذ المائية الاصطناعية في العالم، وتحكم اتصال البحر المتوسط بالبحر الأحمر، ومضيق باب المندب وخليج عدن اللذان يحكمان اتصال البحر الأحمر ببحر العرب والمحيط الهندي، ومضيق هرمز وخليج عمان اللذان يحكمان اتصال الخليج العربي بالمحيط الهندي،ومضيق ملقا وسنغافورة اللذان يحكمان اتصال المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي والمحيط الهادي.
وبالإضافة إلى ذلك، يمتاز العالم الإسلامي بأهميته الاقتصادية بما وهبه الله من ذخائر وثروات زراعية ومائية ومعدنية وحيوانية وصناعية، كما يتمتع بمركز الموصلات العالمية البرية والبحرية والجوية”.(حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة للدكتور جميل عبد الله محمد المصري) فقد أكسب كلُّ ذلك العالمَ الإسلاميَّ أهمية استراتيجية وعسكرية لها خطورتها في ميزان القوى العالمية،وهذا يفسر ما جرى في الماضي وما يجري اليوم في الشرق الأوسط من الحروب والصراعات بين الدول ذات النفوذ على العالم الإسلامي، وهي تعمل على إبقائه مضطربًا ومفكَّكّا،وتعمل على إثارة المشاكل والأزمات والمآسي حتى يبقى ممزَّقًا مفرَّقًا يسهل التحكم فيه.
وقد أحدثت القوى الاستعمارية ظروفًا خاصة وأوضاعًا معينة في كل بلد إسلامي، تسمح لها بالتدخُّل في شؤونه، وإملاء إرادتها، ووجدت أنصارًا وأعوانًا يساعدونها في إحداث مثل هذه الأوضاع وإبقائها، فاستشرت التبعية والتقليد، وانتشر الإلحاد والغزو الفكري والثقافي، والغزو التبشيري الصليبي، والامتداد الصهيوني اليهودي، وضعف العمل بالشريعة الإسلامية، فنتيجة لذلك يعيش المسلمون واقعًا مريضًا في حضيض من الذلة والهوان والتخلف، يراه ويحس به كلُّ ذي عينين، فتعطلت ملكات الإبداع في الأمة، وتحول المجتمع إلى ما لا يليق به، وتفككت العرى وانحلت الأواصر الأخوية و الاجتماعية،وتواجه الأمة نكسات ونكبات متوالية يتندى لها الجبين.
فعلى المسلمين أن يدركوا أن ما يواجهونه اليوم من الذل والهزيمة، لا يعفيهم عن مسئوليتهم نحو أنفسهم، ونحو البشرية جمعاء، وأنه سيبقى التخلف والحرمان والهوان والضعف، وستبقى التبعية والركض واللهاث وراء كل ما هو سراب وخداع حتى يتوب المسلمون إلى الله، يتمسكون بدينهم، ويدركون ذاتهم ومسئوليتهم، وإلا فلن يعجز الله تعالى أن يستبدل بهم قوما غيرهم يقومون بأمر هذا الدين: “وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم” (محمد: 38).

