الكاتب الصحفي يسري السيد يكتب : الشخصية “المزفلطة”و فلسفة الصابونة !!

الكاتب الصحفي يسري السيد يكتب : الشخصية "المزفلطة"و فلسفة الصابونة !!
الكاتب الصحفي يسري السيد 

هل واجهت يوما ما شخصية “مظفلطة” ؟… شخصية بلا ملامح محددة، مزفلطة يعني بالزين أو بالظاء لا فرق ، شعارها :  ” معاهم معاهم، عليهم عليهم” ، شخص ليس له موقف، ليس له رؤية، تشعر أنه  شخصية ملساء، بلا تضاريس أو  ملامح...هي  الشخصية “المزفلطة” ، ردائها  فلسفة الصابونة التي لا يمسك بها أحد!

في البداية ماذا يحدث إذا حاولت يوماً أن تمسك بصابونة مبلولة في حمام سباحة أو ” بانيو “، بالتأكيد  ستهرب من بين أطراف أصابعك بنعومة وانسيابية وتفشل في المسك بها ،  لكن مبروك :  أنت تتعامل هنا   مع المجسم الفيزيائي للشخصية “المزفلطة“  الناعمة والملساء كالصابونة ،  وبلا طعم  ولا لون أو رائحة كالماء  ، هي كائن هلامي، عديم اللون، عابر للآراء والأيديولوجيات.. بلا ملامح، ولا تضاريس، ولا زوايا حادة يمكن أن تصطدم بها… لو جلست مع صاحبها ساعات  بل أيام   ثم حاولت رسم بروفايل لشخصيته أو اتجاهاته، ستجد أنك ترسم “دائرة ملساء” لا أول لها ولا آخر.!

 والسؤال العبثي : كيف تتصرف “الصابونة البشرية”؟

 معاهم معاهم.. عليهم عليهم

   إذاكنت تحضر إجتماع أو جلسة وقلت: “هذا المشروع فاشل وسيودي بنا إلى الهاوية! ، ستجده يربت على كتفك ويومئ برأسه قاطرًا حزنًا: “عين الصواب، أنا من زمان خائف من هذه الهاوية!”.

   وبعد دقيقتين فقط، إذا قام مديرك وقال: “هذا المشروع هو قفزتنا المستقبلية!”، ستجد صاحبنا ينظر للجميع بابتسامة نصر ويقول: “تمامًا كما يرى فلان بك !!

إذا نظرت لعينيه مستنكرا ستصدمك هذه الجملة  مرسومة علي جبهته : ” القفز هو الخيار الوحيد للناجحين!

 وإذا أتسعت عيناك دهشة ستصدمك الجملة التالية ” هذا  مبدأ الزئبق في الإدارة الحديثة“.!

وإذا حاولنا وضع “الشخصية المزفلطة” على مشرحة الفلسفة، فلن نجد أمامنا كائناً بيولوجياً عادياً، بل سنكون أمام معجزة ميتافيزيقية مذهلة: إنسان تخلص تماماً من عبء المعنى ووجع الدماغ !!

فبينما أفنى الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ من ارسطو وافلاطون الي سارتر ونيتشه وكامو أعمارهم في  شقاء البحث عن معنى للوجود، ودفعوا ثمن الإختيار لخلق قيم ثابتة، نعم اجهوا عبث الواقع المتجدد  بصدور تملؤها الجدية والصلابة، وجاء صاحبنا “المزفلط”  بفلسفة خاصة ليحل المعضلة بضربة “هلامية” واحدة: لماذا تتعب نفسك في صناعة موقف، بينما يمكنك ببساطة أن تكون لا شيء.. وفي كل مكان في نفس الوقت.؟!

 هو يدرك بالفطرة أن “الشخص الذي لستَ ضده.. لستَ مضطرًا للدفاع عن نفسك أمامه”.

 فلسفة العدم المرن

والوجود المظفلط ..ذروة للعبث البشري….. ميتافيزيقته  الا  “لا شيء”… الفيلسوف الوجودي الحقيقي يعاني، يبكي، ويصطدم بالجدران لأنه يؤمن بوجود حقيقة مطلقة… أما المزفلط، يبلغ المرتبة العليا من التنوير العبثي في فلسفته الزفلطيه ؛  هو يدرك بالفطرة أن “الخطوط المستقيمة تتكسر، والزوايا الحادة تجرح الآخرين.. ووحدها الدوائر الملساء التي  تمر عبر ثقب الإبرة بسلام.”

هذا الكائن ” المزفلط”  يقنع نفسه بأنه  لا يهرب من المعركة جبناً، بل يهرب منها ترفاً وترفعاً عن “وجع الدماغ”. ففي منطق الصابونة البشرية، الصدام غباء، والوضوح انتحار بطيء.. وكما يقول مبدأ الزئبق في الإدارة الحديثة:

“كُن كالماء… يتخذ شكل الإناء، وإن لم يكن هناك إناء.. تمدد على البلاط واستمتع بالحرارة!”

إنها البراجماتيه على أصولها؛ التي يمكن أن يصل بها الأمر إلى خلع ثياب المبادئ وارتداء بيجاما من الحرير الانسيابي الأملس ، مستندة إلى حكمة خالدة:

“من ليس له ملامح، يستحيل أن يصطدم بحائط.. ومن ليس له مبدأ، لن يضطر أبدًا لتغييره.”

  • وعلى الصعيد الاجتماعي، يُعد المزفلط هو التطور الطبيعي لـ “الكائن الحربائي”. في مجتمعات وفترات تموج بالتقلبات، حيث الحق باطل اليوم وباطل الأمس حق، يبرز صاحبنا كأستاذ أكاديمي وفيلسوف  في علم “الزحف الناعم“.

إذا سألته عن موقف، يزلزل أركان الدبلوماسية،  تجده  يتبنى سياسة “القشطة المذابة على سطح النقاش “.. لا يوافقك ليؤكد كلامك، ولا يخالفك لئلا يخسرك..   يمارس طقوس “المسايرة المظفلطة “، مردداً في سره بيت الشعر المأثور:

“ تمشي مع الريح حيث مالَ الهوى..

لا تقبض الريح كفٌّ ولا تُمسك الثرى!

 لا يعترف بالأرض إن غاصت ولا ارتفعت..

  فكل البقاع لديه.. وجهة تُشترى!

بهذه الطريقة، يتحول من كائن مفكر إلى “مكيف هواء بشري”؛ يضبط درجة حرارته تلقائياً حسب رغبة الواقف في الغرفة، دون أن يكلف نفسه عناء السؤال: “لماذا نشغل المكيف أصلاً؟”

الانسياب بلا ثمن

   هو دائمًا يختار الإجابة الدبلوماسية المائعة.. فلسفة الانسياب بلا ثمن.. إذا سألته: “ما رأيك في الطعام؟”، يقول: “فيه حلو وفيه مر”. “هل تحب الشتاء أم الصيف؟”، يجيبك: “الاعتدال جمود والشتاء له ناسه والصيف له أهله”. لا يمكنك أبدًا أن تأخذ منه “نعم” قاطعة أو “لا” واضحة… كلمة “ربما” و  و”الله أعلم” ..هي أسلحته  للهروب من أي موقف.

     شخصية بلا تضاريس:

   الناس أصحاب المبادئ والمواقف لديهم “تضاريس”؛ تتفق معهم، تختلف معهم، تتصادم مع آرائهم… أما الشخص المزفلط، فهو سطح أملس زجاجي، إذا ألقيت عليه حجرًا من النقد، يتزحلق الحجر ويسقط على الأرض دون أن يترك خدشًا واحدًا عليه.

الغريب أن هذا الكائن غالباً ما يكون أكثر الناس نجاة وتكيفاً… بينما يتصارع أصحاب المواقف ويدفعون ثمن آرائهم، يمر “المزفلط” بين المشاكل كما تمر السكين في الجيلي  ..هذا العبث المظفلط.. من الكوميديا إلى الخلود

الأكثر إضحاكاً ومرارة في آن واحد،   هذا المزفلط هو الذي يرث الأرض ومن عليها في النهاية..

وبينما يُطرد الثوري المتشدد من عمله، ويُسجن صاحب الموقف الصارم، ويموت صاحب المبدأ قهراً من نكران الجميل، يعيش المزفلط حياة هادئة كأنها رحلة استجمام أبدية في منتجع سياحي.. لا يحمل هماً، ولا ينام مهموماً بغدٍ غامض، لأنه يعلم يقيناً أن الغد سيأتي برئيس جديد، وبقناعات جديدة، وسيكون هو جاهزاً للتصفيق للجميع بنفس الحماس الفاتر!

لا يُفصل من عمل، ولا يغضب منه أحد بشكل كامل، ولا يُحسب على تيار، لأنه في الحقيقة.. ليس له وجود حقيقي سوى في الاستمارة الرسمية للرقم القومي!

 وشعار الشاعر المزفلط: “أنا لستُ ضد أحد، ولستُ مع أحد.. أنا الكرسي الذي يجلس عليه الجميع.”

“ما ضرّه إن قال هذا باطلٌ..

أو قال ذاك محقٌّ لا يُردُّ؟

هو الطيف يمشي بين زحام عابرٍ..

إن أقبل الموجُ حيا.. وإن أدبروا شدُّ!

وحين تضيق به الدوائر، يرفع يده بلا مبالاة تليق بفيلسوف يوناني هرم، ليطلق درته الخالدة التي تدرس في أكاديميات السلامة النفسية البليدة: “الحياة أقصر من أن تقضيها في الدفاع عن رأي.. دعه يمر، واذهب لتناول القهوة مع الطرف الفائز!”

حشر الجيلي في قالب!

و محاولة تغيير الشخصية المزفلطة، أو محاولة جرها إلى منطقة “الأبيض والأسود”، هي محاولة  لحشر الجيلي في قالب!.. هي عبث يضاهي محاولة رسم خريطة جغرافية على سطح فقاعة صابون.

دعوه يمشي بلا ملامح، ويهيم بلا تضاريس، ويتمدد على بلاط التاريخ بلا صخب. فهو في النهاية ليس سوى مرآة ساخرة لعصرنا.. عصرٍ يكتشف فيه الإنسان أن أرخص سلع النجاة وأكثرها ديمومة، هي أن تفقد شكلك.. لكي تعيش!

في النهاية.. إذا واجهت شخصية مزفلطة في حياتك، لا تحاول أن تتجادل معها أو تجبرها على اتخاذ موقف، لأنك ببساطة تحاول أن تدق مسمارًا في قالب من الجيلي!

Yousrielsaid1963@yahoo.com

 

Pin It on Pinterest