الكاتب الصحفي محمد العزيزي يكتب : الحرب التي ابتلعت العرب!

الكاتب الصحفي محمد العزيزي

بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي بأهداف معلنة لا تحتاج إلى كثير من التأويل.. كان البرنامج النووي الإيراني في قلب المشهد ومعه منظومة الصواريخ الباليستية وقدرة إيران على تخصيب اليورانيوم وتخزينه باعتبارها عناصر أساسية في القوة التي أرادت واشنطن وتل أبيب تحييدها .

لكن بعد أكثر من ستة أشهر من الحرب لا يزال السؤال قائمًا حول مدى تحقق هذه الأهداف بصورة نهائية ، فيما تستمر المواجهة وتتغير ساحاتها وتتسع دائرتها ، بل إن الرئيس الأمريكي نفسه تحدث في سبتمبر عن أمله في اقتراب نهاية الحرب التي دخلت شهرها السابع دون تسوية واضحة ونهائية .

وهنا تبدأ المفارقة التي تستحق التوقف أمامها فإذا كانت الحرب قد بدأت بهدف محدد يتعلق بإيران وقدراتها النووية والصاروخية فلماذا تحولت المنطقة كلها إلى ساحة مفتوحة للاستنزاف؟ ولماذا أصبح العرب بعد أشهر قليلة طرفًا رئيسيًا في فاتورة حرب لم يختاروا بدايتها؟

لم يعد الأمر مقتصرًا على إيران وإسرائيل والولايات المتحدة فقد تعرضت دول خليجية تستضيف قواعد أمريكية لهجمات إيرانية ثم اتسعت المواجهات لتشمل السعودية واليمن، وأصبحت منشآت الطاقة وطرق الملاحة أهدافًا في الصراع .

وفي سبتمبر وحده ارتفع سعر خام برنت فوق 100 دولار للبرميل مع تصاعد المخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة بينما أدت الحرب واضطرابات مضيق هرمز إلى إخراج كميات كبيرة من النفط من الأسواق .

وهكذا بدأت الحرب تبتلع المنطقة بدل أن تبقى محصورة في الهدف الذي قامت من أجله

كان العرب قد سمعوا طويلًا عن مظلة الحماية الأمريكية والقواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة، وعن أن وجودها يمثل ضمانة للأمن والاستقرار ، لكن الحرب الحالية طرحت سؤالًا مختلفًا: ماذا تفعل هذه القواعد عندما تبدأ الحرب فعلًا؟ وهل تمنع وصول الصواريخ والطائرات المسيرة إلى الدول التي تستضيفها أم تتحول هي نفسها إلى أهداف فتجد تلك الدول أنها أصبحت جزءًا من المعركة بحكم موقعها وتحالفاتها؟

ولا يتعلق الأمر بالخسائر العسكرية وحدها فالولايات المتحدة نفسها دفعت خلال الأشهر الستة الأولى نحو 38 مليار دولار وفق تقديرات مكتب الميزانية في الكونجرس مع استنزاف كبير لمخزونات الذخائر والصواريخ بعيدة المدى، وحاجة وزارة الدفاع إلى تمويل إضافي لإعادة بناء المخزونات.

فإذا كانت القوة العظمى نفسها تتحمل هذه الكلفة فما بالك بالدول العربية التي تقع منشآتها الحيوية وممراتها البحرية ومصادر الطاقة في قلب دائرة الخطر؟

الفاتورة العربية لا تتوقف عند شراء الأسلحة هناك مليارات تنفق على الدفاع والاعتراض والتأمين والحماية ، وهناك ارتفاع في أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتجارة واضطراب في حركة الملاحة ، وضغوط على الموازنات العامة.

وكلما طال أمد الخطر أصبح الإنفاق على الأمن ضرورة لا يمكن تأجيلها بينما تتراجع مساحة الإنفاق على التنمية والاستثمار والخدمات !

وهنا تظهر واحدة من أخطر نتائج الحرب: تحويل الأمن إلى احتياج دائم ، والحماية إلى سوق دائم ، والخطر إلى مبرر دائم لمزيد من السلاح !

ولا يعني ذلك أن كل صفقة سلاح نتيجة مباشرة لمؤامرة أو أن كل وجود عسكري أمريكي في المنطقة أنشئ لغرض واحد ، فلكل دولة حساباتها الأمنية وتحالفاتها ومخاوفها ، لكن استمرار الحرب يخلق بحكم طبيعته طلبًا متزايدًا على السلاح والذخائر والحماية ، وهذه نتيجة يمكن رصدها دون الحاجة إلى افتراضات مسبقة .

أما الكيان الصهيوني  ففي الوقت الذي تنشغل فيه المنطقة بتداعيات الحرب مع إيران لم تتوقف حربها في غزة، فيما استمرت المواجهات في لبنان ، وحتى اليوم ما زالت الغارات الإسرائيلية توقع قتلى في قطاع غزة، بينما تصف الأمم المتحدة الوضع في جنوب لبنان بأنه يشهد تصعيدًا وتحديات متزايدة مع استمرار وجود القوات الإسرائيلية في مناطق هناك.

وهنا تتراجع القضية الفلسطينية ليس لأنها انتهت وإنما لأنها فقدت جزءًا كبيرًا من كونها القضية المركزية وسط زحام الجبهات المفتوحة، وهنا يصبح السؤال عن إيران ثم الخليج ثم هرمز ثم اليمن وباب المندب ثم لبنان ثم أمن الطاقة والملاحة أكثر حضورًا من السؤال الأصلي الذي ظل عقودًا في قلب أزمات المنطقة : متى تنتهي القضية الفلسطينية ومتى يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه ودولته؟

وهكذا يجد العرب أنفسهم في مشهد شديد التناقض: دول عربية منشغلة بحماية منشآتها وممراتها وأراضيها وأخرى تدخل في صراعات مباشرة أو غير مباشرة مع أطراف عربية، فيما تتسع الفجوة السياسية حول القضايا التي يفترض أن تجمع المنطقة لا أن تفرقها !

وهنا يمكن أن نفهم لماذا تبدو فكرة «الحرب العربية ـ العربية» أوسع من مجرد إطلاق النار بين جيشين ، فقد تكون الحرب عربية ـ عربية بالمعنى السياسي أيضًا عندما تنقسم الدول والشعوب وتتحول الخلافات إلى خصومات وتصبح الأولوية لمواجهة الجار بدل البحث عن إطار إقليمي يوقف النزيف ويعيد ترتيب المصالح المشتركة .

وربما تكون هذه هي أخطر نتيجة للحرب: أن يفقد العرب بوصلة الأولويات!

فبينما تنشغل المنطقة بخلافاتها وصراعاتها يستمر الكيان في تنفيذ أجندته الأمنية والعسكرية وتبقى القضية معلقة وتستمر المنطقة في دفع تكلفة أمنية واقتصادية متزايدة .

وهنا يعود السؤال الذي يبدو في ظاهره أقرب إلى نظرية المؤامرة: هل كان الهدف من الحرب منذ البداية هو الوصول إلى هذه النتيجة؟ هل كان المطلوب فعلًا حسم الملف الإيراني، أم أن استمرار الأزمة واتساعها يخدم مصالح أكبر، تجعل المنطقة أكثر احتياجًا إلى الحماية والسلاح وأكثر انشغالًا بصراعاتها الداخلية؟

لا توجد في هذه القراءة وحدها أدلة كافية لتحويل السؤال إلى حقيقة أو اتهام، لكن النتائج تستحق أن تدفعنا إلى طرحه . فالتاريخ لا يُقرأ فقط من خلال ما تعلنه الأطراف عن أهدافها، وإنما أيضًا من خلال ما تتركه الحروب وراءها من نتائج ومن يربح منها ومن يدفع تكلفتها.

والذين يشجعون على إشعال الصراع بين الشعوب والدول العربية ويدفعون المنطقة إلى مزيد من الانقسام يشبهون من يمسك بندقية ويظن أنه يقاوم ويطلق النار على عدوه، بينما قد يكون في الحقيقة يطلق النار على أصابع قدميه.

لقد خسر العرب فرصًا كثيرة من قبل وربما تكون الفرصة الأخطر الآن هي أن تتحول حرب بدأت خارج العالم العربي إلى صراع يستهلك العرب بعضهم بعضًا ، ويستنزف أموالهم وطاقاتهم ويؤجل التنمية ويرفع فاتورة السلاح والطاقة ويبعد

القضية الفلسطينية عن مركز الاهتمام ، فالحرب التي بدأت في إيران قد لا تنتهي آثارها بانتهاء القتال هناك !وقد يكون أخطر ما ابتلعته هذه الحرب ليس الأرض ولا المال وحدهما، وإنما البوصلة.

فهل نحن أمام حرب جديدة فقط.. أم أمام فرصة جديدة ضاعت من أمة الفرص الضائعة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.