الذات المتمردة في شعر إسماعيل عكاشة : قراءة في ضوء النزعة الرومانسية

بقلم: ياسمين حسن (كاتبة وباحثة دكتوراه في الأدب والنقد)

الشاعر اسماعيل عكاشة

– من الأقلام الأدبية التي استطاعت، على الرغم من قلة إنتاجها الشعري، أن تترك أثرًا لافتًا في المشهد الأدبي وعلى منصات التواصل الاجتماعي، يبرز اسم الأستاذ الدكتور إسماعيل عكاشة؛ إذ تكشف نصوصه الشعرية عن تجربة وجدانية وفكرية تجمع بين عمق الرؤية ووضوح العبارة، وبين صدق الانفعال ونضج التجربة، فضلًا عن مزجها بين الواقعية والنزعة الرومانسية في معالجة عدد من القضايا الإنسانية والوجدانية.
وقد استطاع الشاعر أن يصوغ مقطوعاته بلغة تجمع بين السهولة والعمق، فلا تحول كثافة الفكرة دون نفاذها إلى المتلقي، ولا تحول بساطة التعبير دون احتفاظ النص بطاقته الإيحائية والجمالية؛ الأمر الذي جعل شعره قريبًا من وجدان قرائه، قادرًا على استثارة التأمل واستدعاء المشاركة الوجدانية.

– وتتجلى في عدد من نصوصه الشعرية المختارة ذاتٌ شعرية واضحة الحضور، لا تكتفي بتسجيل انفعالاتها تجاه ما يحيط بها، وإنما تدخل في مواجهة معه، وترفض الاستسلام لما يفرضه الواقع من قيود وأحكام، وتسعى إلى انتزاع حريتها وسعادتها، حتى في أكثر تجاربها خصوصية، وفي مقدمتها تجربة الحب. ومن هنا يبرز التمرد بوصفه ملمحًا أساسيًا في تشكيل هذه الذات، إذ يتخذ صورًا متعددة؛ فتارة يكون تمردًا على القيود، وتارة رفضًا للأحكام المفروضة على الحب، وتارة مواجهة للماضي ومحاولة للتحرر من سطوته، كما يظهر في لجوء الذات إلى الطبيعة بحثًا عن ملاذ وجداني، وفي تأملها لقوة الزمن وتحولاته.

– ولا ينفصل هذا الحضور المتمرد للذات عن عدد من السمات التي ارتبطت بالنزعة الرومانسية، وفي مقدمتها الاحتفاء بالذات الفردية، والنزوع إلى الحرية، والاهتمام بالتجربة الوجدانية، واللجوء إلى الطبيعة، والنفاذ إلى أعماق النفس، وتوظيف الخيال والصورة الشعرية في التعبير عن التجربة الداخلية. ومن ثم تبدو النصوص المختارة مجالًا مناسبًا لقراءة هذه الذات والكشف عن آليات تشكلها، وما يكتنفها من صراع بين الرغبة والواقع، وبين التعلق والتحرر، وبين الأمل والخيبة.

– ومن هنا تأتي هذه الدراسة المعنونة ب”الذات المتمردة في شعر إسماعيل عكاشة: قراءة في ضوء النزعة الرومانسية”، محاولةً الكشف عن صور التمرد التي تتخذها الذات في شعره، وتتبع أبعادها النفسية والوجدانية، والوقوف على الوسائل الفنية التي أسهمت في تشكيلها، مع بيان صلتها بملامح النزعة الرومانسية، دون افتراض انحصار التجربة الشعرية للشاعر في إطارها وحده.

– وتنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تسعى إلى مقاربة التجربة الشعرية لإسماعيل عكاشة من زاوية تجمع بين الموضوع والفن؛ فلا تكتفي برصد مظاهر التمرد في المقطوعات الشعرية، وإنما تتجاوز ذلك إلى محاولة الكشف عن كيفية تشكل هذه المظاهر شعريًا، وما تؤديه الصورة والتكرار والحوار والتشخيص والاستعارة والرمز والتناص من أدوار في إبراز صوت الذات وتوتراتها.

– وتعتمد الدراسة المنهج التحليلي في قراءة النصوص واستجلاء دلالاتها، مع الإفادة من المنهج الوصفي في رصد الظواهر والسمات المتكررة، والاستعانة بما تقتضيه طبيعة النصوص الشعرية من مداخل نقدية تسهم في الكشف عن تفاعل التجربة الوجدانية مع البناء الفني.

– وترتكز المحاور هنا في مجموعة من المحاور التي تتتبع تجليات الذات المتمردة، بدءًا من التمرد على القيود وانتزاع السعادة، والرغبة في الانعتاق، مرورًا بالتمرد على سطوة الحب والأحكام المفروضة عليه، ورفض استعادة العلاقة بعد انكسارها، ثم الوقوف على الصورة الرومانسية في تشكيل المحبوبة، وحضور الطبيعة بوصفها مرآة للذات ومجالًا للتجربة الوجدانية، وصولًا إلى الزمن وقوة التحول وأثرهما في تشكيل الرؤية الشعرية.

– أولًا: التمرد على القيود وانتزاع السعادة:
يتجلى هذا الملمح بوضوح في مقطوعته الموسومة بـ«من وحي يوم غلب صفوه كدره»، التي تقوم على مواجهة الكدر والانتصار عليه، وتحويل السعادة من حالة ينتظرها الإنسان إلى إرادة يسعى إلى تحقيقها، حتى إن حالت الظروف دونها.
يقول الشاعر:
عِشْ صَفْوَ عُمْرِكَ دُونَ إِذْنٍ أوْ طَلَبْ
واسْرِقْ زَمانَكَ إنْ زَمانُكَ لَمْ يَهَبْ
يستهل الشاعر مقطوعته بصيغة الأمر: “عش”، ثم يعقبها بالفعل “اسرق”، فيمنح خطابه طاقة حركية واضحة، ويجعل الإنسان في مواجهة مباشرة مع الزمن؛ فلا ينتظر منه أن يمنحه صفو الحياة، وإنما يدعوه إلى اغتنام ما يستطيع من لحظاتها وانتزاع حقه في العيش.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا في قوله:
وإذا السعادةُ غلَّقتْ أبوابَها
فاكسرْ عليها ألفَ بابٍ واستلبْ
فالسعادة هنا ليست منحةً تأتي إلى الإنسان من تلقاء نفسها، وإنما غاية ينبغي السعي إليها ومقاومة ما يحول دون بلوغها. وقد اختار الشاعر أفعالًا قوية ذات دلالة حركية: “اكسر” و”استلب”، ليجسد بها روح التحدي والمواجهة، وكأن الذات الشعرية ترفض أن تجعل الظروف الخارجية سلطةً تتحكم في حقها في الفرح.
ولا يكتفي الشاعر بالدعوة إلى السعادة، بل يقول:
واسْعَدْ بلا سَبَبٍ
ولا داعٍ دَعا
هل كانَ بؤسُكَ في احتياجٍ للسَّبَبْ؟
فهو يقيم مفارقة لافتة بين السعادة والبؤس؛ إذ يتساءل: إذا كان البؤس قد يأتي إلى الإنسان دون أن يستأذنه أو يقدم له مبررًا، فلماذا يجعل السعادة مشروطةً بسبب؟ ومن خلال هذا التساؤل تتحول الدعوة إلى السعادة إلى موقف فلسفي من الحياة، يقوم على التحرر من انتظار المبررات الخارجية، وعلى قدرة الإنسان على صناعة فرحه رغم ما يحيط به من أسباب الكدر.

– ويتأكد هذا النزوع إلى التمرد في قوله:
ولَرُبَّ يومٍ عِشْتَهُ مُتَمَرِّدًا
تَطَأُ القُيُودَ بلا تَوَانٍ أوْ عَتَبْ
فلفظة “متمردًا” تأتي صريحة لتكشف عن جوهر الموقف الذي تتبناه المقطوعة، بينما تحمل صورة «وطء القيود» دلالة قوية على رفض كل ما يقيد الإنسان أو يحول بينه وبين حريته. ولا يعود التمرد هنا مجرد رفض للظروف، وإنما يصبح طريقة في مواجهة الحياة واستعادة القدرة على الفعل.
وتتسع دلالة الخاتمة:
فيهِ الحياةُ
وألفُ عُمْرٍ
والزّمانُ
وما يَجِيءُ منَ الزمانِ وما ذَهَبْ.
إذ تختزل اللحظة المتمردة معنى الحياة بأسرها؛ فهي لحظة يتسع فيها الزمن ليشمل ما مضى وما هو آتٍ، وكأن الشاعر يمنح اللحظة الحاضرة قيمة عمر كامل، في مواجهة سرعة انقضاء الزمن وتحولاته.
وبذلك تكشف المقطوعة عن رؤية شعرية تقوم على مقاومة الكدر، ورفض الاستسلام للقيود، واغتنام الزمن، والسعي إلى السعادة بوصفها فعلًا إراديًا؛ وهي ملامح تتصل بالنزعة الرومانسية في احتفائها بالذات وحريتها وتمردها على القيود، وإن كانت هذه الملامح لا تُفهم في المقطوعة بمعزل عن النزعة التأملية والفلسفية التي تمنح التجربة بعدها الإنساني.

– ثانيًا: التمرد على القيود والرغبة في التحرر:
يتخذ التمرد في مقطوعة «جدارٌ بروحي يريد انقضاضًا» صورة أكثر عمقًا وتجريدًا؛ إذ لا يعود القيد فيها أمرًا خارجيًا ظاهرًا، وإنما يتحول إلى جدار يسكن الروح، ويصبح انقضاؤه تعبيرًا عن رغبة الذات في التحرر والانعتاق.
يقول الشاعر:
جدارٌ بروحي يريدُ انقضاضًا
فَمَنْ خِضرُه والفَتَى والكَليمُ
يستهل الشاعر الأبيات بصورة “الجدار” الذي يستقر في الروح، وهي صورة تجمع بين المادي والمعنوي؛ فالجدار في حقيقته بناء يحول دون العبور، لكنه هنا يتحول إلى رمز لقيد نفسي أو حاجز داخلي تتطلع الذات إلى زواله. ويزداد المشهد ثراءً باستدعاء شخصيات قصة موسى والخضر، في قوله: “خِضرُه والفَتى والكليمُ”، وهو استدعاء يستند إلى الذاكرة الدينية والتراثية، ويمنح الصورة الشعرية أفقًا يتجاوز التجربة الذاتية المباشرة.
ثم يقول:
إذا المرءُ ألقى عصاهُ انكسارًا
وأضحى بوادٍ سحيقٍ يهيمُ.
ويستثمر الشاعر هنا رمز «العصا» المستمد من السياق الديني، غير أنه يعيد تشكيل دلالته بما يتناسب مع تجربته الشعرية؛ فإلقاء العصا يأتي مقترنًا بـ”الانكسار”، لتغدو العصا رمزًا لما تتكئ عليه الذات، فإذا تخلت عنه وجدت نفسها في مواجهة التيه والفراغ. ومن ثم تتجاور في الصورة دلالتا التحرر والانكسار؛ فالخلاص من القيود قد لا يكون طريقًا سهلًا، بل قد يضع الإنسان أمام مساحة واسعة من الحيرة والبحث عن سبيل جديد.

– ويعمق الشاعر هذا الإحساس باستحضار الزمن في قوله:
وأجرى الزمانُ عليه جديدًا
من الهمِّ يلقاهُ همٌّ قديمُ.
فإذا كان “الجدار” يمثل القيد الداخلي، فإن الزمن يبدو قوةً فاعلة في تشكيل التجربة الإنسانية؛ إذ لا يمحو ما مضى من آلام، وإنما يضيف إليها آلامًا جديدة، حتى تتراكم الهموم وتتداخل في وعي الذات. ويقوم التعبير “همٌّ جديد” و”همٌّ قديم”على مقابلة زمنية تكشف عن استمرار المعاناة وتجددها، كما تجعل الزمن شريكًا في صناعة التجربة النفسية لا مجرد إطار تقع فيه الأحداث.
ومع ذلك لا تنتهي المقطوعة إلى الاستسلام، وإنما تعود الذات إلى موقف المواجهة في قوله:
فلستُ أبالي إذا ما جداري
أراد انقضاضًا، أيأتي المقيمُ؟
فالفعل «أبالي» المنفي يؤكد موقف الرفض وعدم الاكتراث بما قد يترتب على سقوط الجدار، وكأن الذات قد بلغت مرحلة من الوعي تجعلها تفضل مواجهة المجهول على البقاء داخل القيد. أما الاستفهام في “أيأتي المقيم؟” فيفتح الأبيات على معنى آخر؛ إذ يبدو أن انقضاض الجدار لا يعني بالضرورة عودة الاستقرار، بل قد يعني الخروج إلى فضاء مفتوح لا يعرف الشاعر ما ينتظره فيه.
وهكذا تتشكل المقطوعة حول جدلية القيد والتحرر، والانكسار والمواجهة، والهم القديم والهم المتجدد، وتتحول صورة الجدار إلى معادل رمزي لما يستقر في النفس من حواجز تحول دون انطلاقها. كما يسهم التناص مع قصة موسى والخضر في إثراء التجربة، إذ يستدعي الشاعر عناصر من الموروث الديني ثم يعيد توظيفها داخل سياقه النفسي الخاص.
ومن هنا تتجلى إحدى السمات المتصلة بالنزعة الرومانسية في شعره، وهي النزوع إلى التحرر والتمرد على القيود، واللجوء إلى الرمز والتراث للتعبير عن صراع الذات مع واقعها الداخلي والخارجي.

– ثالثًا: التمرد على سطوة الحب وانكسار الوهم العاطفي:
يأخذ التمرد في مقطوعة «من وسوسات صاحبي القديم» منحًى وجدانيًا، إذ تنتقل الذات الشاعرة من مواجهة القيود الخارجية إلى مواجهة آثار تجربة عاطفية مضطربة، فتبدو القصيدة أشبه بحوار داخلي تتقابل فيه رغبة الحب مع حقيقة الانطفاء.، ومن ذلك نطالع:
أقولُ: حبيبتي، وتقولُ: كلّا
مع الأحبابِ ليتَ لنا محلّا.
ومنذ المطلع يضعنا الشاعر أمام مفارقة بين صوتين؛ صوت يقول “حبيبتي”، وصوت آخر يسارع إلى النفي: “كلّا”. ويكشف هذا الحوار عن اضطراب العلاقة العاطفية، إذ لا يتوافق اللفظ مع الموقف الوجداني، فتبدو كلمة الحب في مواجهة واقع يرفضها ولا يمنحها مكانًا. كما أن صيغة الحوار تمنح التجربة قدرًا من الحيوية والدرامية، وتجعل القارئ شريكًا في متابعة الصراع بين الطرفين. ويتأكد هذا التباين في قوله:
فدربُكَ كلُّه هجرٌ وصدٌّ
ودربي بالمودةِ كم تدلّى.
فالمقابلة بين “دربك” و”دربي” تكشف اختلاف التجربتين؛ فطريق الطرف الآخر مشبع بالهجر والصد، بينما يرتبط طريق الذات بالمودة. ولا يكتفي الشاعر بالتصريح بهذا الاختلاف، بل يجعله قائمًا على صورتين متقابلتين: الهجر والصد في جانب، والمودة في الجانب الآخر، بما يعمق الإحساس بعدم التكافؤ العاطفي.
ثم ينتقل الشاعر إلى تصوير تاريخ العلاقة في قوله:
وأنتَ دفاترٌ مُلئتْ نساءً
وعشقٌ واحدٌ في فِيَّ صلّى.
ويقدم هنا صورة لافتة في قوله “دفاترٌ ملئت نساءً”، إذ يحول تجارب الحب السابقة إلى صفحات مكتوبة في دفاتر، في إشارة إلى تعدد العلاقات وتراكمها في ذاكرة الآخر. وفي مقابل هذا التعدد، يعلن الشاعر عن “عشق واحد”، فتقوم الصورة على مفارقة واضحة بين تعدد التجارب عند الآخر ووحدة العشق لدى الذات. أما قوله “في فِيَّ صلّى” فيضفي على الحب الواحد مسحة من القداسة والعمق الوجداني، وكأنه شعور ظل حاضرًا في وجدان المتكلم حتى غدا أقرب إلى عقيدة داخلية لا تتعدد ولا تتبدل.

– وتبلغ المقطوعة ذروتها في الخاتمة:
تقولُ حبيبتي باللفظِ، لكن
بقلبكَ كلُّ حبٍّ قد تولّى
فهنا يميز الشاعر بين اللفظ والقلب؛ فقد تظل كلمة “حبيبتي” حاضرة على مستوى القول، بينما يكون الحب قد رحل من الداخل. وتكمن قوة الخاتمة في هذه المفارقة التي تكشف أن اللغة قد تخفي أحيانًا حقيقة الشعور، وأن بقاء اللفظ لا يعني بالضرورة بقاء العاطفة.
ومن ثم تقوم المقطوعة على ثنائية أساسية هي الحب في مواجهة انطفائه، والقول في مواجهة الحقيقة الوجدانية، ويبرز فيها الحوار والمقابلة والمفارقة أدواتٍ أساسية في تشكيل التجربة. كما تكشف عن ذات عاطفية شديدة الوعي بما أصاب تجربتها من تحول، فلا تستسلم للوهم الذي تصنعه الكلمات، وإنما تبحث عن الحقيقة الكامنة وراءها. وهو ما يضيف إلى ملامح التجربة الرومانسية عند الشاعر بعدًا نفسيًا يتمثل في الاحتفاء بالتجربة الذاتية، والغوص في أعماق الشعور، وتصوير الحب بوصفه تجربة داخلية تتجاوز ظاهر الكلام إلى حقيقة القلب.

– رابعًا: التمرد على الأحكام المفروضة على الحب:
يتخذ التمرد في مقطوعة “مما وسوس به شيطان الشعر” صورة أخرى تتصل بالتجربة العاطفية، حيث ترفض الذات الشاعرة أن تخضع للأحكام الجماعية التي تنظر إلى الحب بوصفه حالة تستوجب اللوم أو التخلي. ولنقرأ ما ورد عن ذلك:
لو تابَ كلُّ العاشقينَ وحرَّموا
وصلَ الأحبّةِ ما أراني أتوبُ.
يفتتح الشاعر المقطوعة بأسلوب الشرط «لو»، فيفترض اجتماع العاشقين جميعًا على موقف واحد يتمثل في التوبة من الحب وتحريم الوصل، ثم يعلن موقفه المخالف بقوله: “ما أراني أتوب”. وتكشف هذه المقابلة بين توبة الجماعة وإصرار الذات عن نزعة واضحة إلى الاستقلال، إذ لا ترى الذات أن اتفاق الآخرين كافٍ لفرض موقف عليها.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا في قوله:
أو عابَ كلُّ الناسِ أسقامَ الغرامِ
ووجدَهُ، أنا لا أقولُ عيوبُ.
فالشاعر ينتقل من “كل العاشقين” إلى “كل الناس”، فيوسع دائرة السلطة التي يرفض الخضوع لها؛ حتى لو اجتمع الناس جميعًا على ذم الحب وما يصاحبه من وجد وألم، فإن الذات لا تنضم إلى هذا الحكم، ولا ترى في “أسقام الغرام” عيوبًا تستوجب التنصل منها.
ويلفت النظر في الأبيات توظيف المعجم ذي الصبغة الدينية: “تاب”، “حرّموا”، “أسقام”، “عيوب”، وهو معجم يمنح الموقف العاطفي بعدًا دلاليًا يتجاوز الغزل التقليدي؛ فالشاعر يتعامل مع الحب كما لو أنه قضية تُصدر الجماعة بشأنها أحكامًا بالتحريم أو الإدانة، ثم يواجه هذه الأحكام برفض صريح. ومن هنا يصبح الحب في المقطوعة اختيارًا شخصيًا لا يخضع لسلطة الجماعة، كما أن عنوان المقطوعة “مما وسوس به شيطان الشعر” يهيئ لهذا الموقف المتمرد؛ فكلمة “وسوس” توحي بصوت داخلي يدفع الذات إلى التفكير في موقفها من الحب، بينما تأتي الأبيات لتكشف أن هذه “الوسوسة” تنتهي إلى موقف واعٍ يتمثل في رفض التخلي عن العاطفة لمجرد أن الآخرين يدينونها.
وبذلك تكشف المقطوعة عن ملمح بارز من ملامح التجربة الرومانسية عند الشاعر، يتمثل في تقديم التجربة الذاتية على أحكام الجماعة، والاحتفاء بحرية الشعور، والتمرد على القيود الاجتماعية التي تحاول إخضاع العاطفة لقواعد صارمة. فالحب هنا ليس مجرد موضوع شعري، وإنما يصبح وسيلة لإعلان استقلال الذات وتمسكها بحقها في اختيار ما تؤمن به وتشعر به، حتى لو خالف ذلك موقف الآخرين.

– خامسًا: رفض استعادة العلاقة بعد انكسارها:
يتخذ التمرد في مقطوعة «تراتيل وخيالات» صورة وجدانية أكثر حسمًا؛ فالذات الشاعرة لا تكتفي بإدراك انتهاء العلاقة، وإنما تتخذ موقفًا صريحًا من محاولة استعادتها، وترفض أن تعود إلى تجربة سبق أن تركت في وجدانها جرحًا وآثارًا من الألم.، يقول:
لا، لا تَعُدْ..
جُرحُ الفؤادِ قد اندملْ
وأرقتُ بعدكَ كلَّ أقداحِ الأملْ.
ويأتي تكرار “لا، لا تعد” ليمنح المطلع نبرة حاسمة، تكشف عن موقف نفسي مستقر لا يرغب في إعادة فتح ما أُغلق. ويجمع الشاعر بين صورتين متلازمتين: “اندمال الجرح” و”إراقة أقداح الأمل”؛ فالتعافي هنا لم يكن مجرد زوال للألم، وإنما صاحبه قرار بالتخلي عن الأمل في عودة العلاقة، وكأن الذات قد اختارت أن تحمي ما تبقى منها بإغلاق الباب أمام الماضي.
ثم يعود الشاعر إلى صيغة الرفض:
لا، لا تَعُدْ..
فبأيِّ عذرٍ تعتذرْ؟!
فيما مضى قدمتَ لي كلَّ العِللْ.
ويتحول الاستفهام في “فبأي عذر تعتذر؟!” إلى أداة لكشف عبث الاعتذار بعد وقوع الأذى؛ فالمتكلم لا يبحث عن تفسير لما حدث بقدر ما يؤكد أن الاعتذار لم يعد قادرًا على إصلاح ما أفسدته التجربة. ويقابل الشاعر بين “العذر و”العِلل”، بما يعمق الإحساس بأن ما مضى من ألم أكبر من أن تمحوه كلمات الاعتذار.
ويتأكد رفض الذات لأي محاولة لاستمالتها في قوله:
لا، لا تَقُلْ..
إنِّي هجرتُكَ مُرغَمًا
لا تتخذْ ماءَ المدامعِ سُلَّمَا
فالشاعر يرفض حتى التبرير العاطفي القائم على الاضطرار، كما يرفض أن تتحول الدموع إلى وسيلة لاستعادة العلاقة. وتبرز هنا صورة “ماء المدامع” بوصفه “سُلَّمًا”، وهي صورة موحية تجعل الدموع وسيلة للصعود مرة أخرى إلى قلب الطرف الآخر، غير أن الذات ترفض هذا الصعود وترفض أن تمنح الدموع سلطةً على قرارها.
وتختتم المقطوعة بصورة بحرية لافتة:
لا، لا تَقُلْ..
غَنِمَ المحيطُ سفينتي
قد أنكرَ البحرُ المحيطُ المَغْنَمَا.
ويستثمر الشاعر هنا صورة السفينة والمحيط لتجسيد مصير العلاقة؛ فالسفينة التي كان يمكن أن تحمل الطرفين معًا لم تعد قائمة، وقد ابتلعها المحيط، فلم يعد ثمة ما يمكن استعادته. وتمنح هذه الصورة النهاية قدرًا من الحسم؛ إذ تتحول التجربة العاطفية إلى رحلة انتهت بفقدان السفينة، ولم يعد الرجوع إلى ما كان ممكنًا.
وتكشف المقطوعة، في مجملها، عن تحول واضح في موقف الذات من التجربة العاطفية؛ فهي لا تقف عند حدود الألم أو الشكوى، وإنما تتجاوزهما إلى المواجهة والرفض واستعادة القدرة على اتخاذ القرار. ويؤكد التكرار المتواتر لعبارات “لا، لا تعد” و”لا، لا تقل” هذا المعنى، إذ يتحول التكرار من مجرد وسيلة موسيقية إلى تعبير عن إصرار نفسي يرسخ موقف الذات ويمنحه توتره الدرامي، ومن ثم تضيف هذه المقطوعة إلى ملامح النزعة الرومانسية عند الشاعر بعدًا آخر، يتمثل في الاحتفاء بالذات وحقها في اختيار مصيرها العاطفي، ورفض الخضوع لسطوة الماضي، وتحويل التجربة المؤلمة إلى موقف من الوعي والمواجهة.

– سادسًا: الصورة الرومانسية في تشكيل المحبوبة:
تتجلى النزعة الرومانسية في شعر إسماعيل عكاشة من خلال احتفائه بالمحبوبة وإحاطتها بصور حسية تستمد عناصرها من الطبيعة، كما في مقطوعته “عيناكِ سارقتانِ”، التي تقوم في بنيتها على صورة مركزية تتكرر في مطالع أبياتها:
عيناكِ سارقتانِ
فارددي الضوءَ للنّجماتِ في الغَسَقِ
عيناكِ سارقتانِ
فارددي النّومَ؛ فالأحلامُ في أَرَقِ
عيناكِ سارقتانِ
فارددي للموجِ زُرْقَةَ الحَدَقِ»
ويقوم الشاعر منذ البداية على استعارة لافتة تتمثل في وصف عيني المحبوبة بأنهما «سارقتان»، وهي صورة تتجاوز الوصف التقليدي لجمال العينين؛ فالشاعر لا يشبه العينين بالنجوم، وإنما يقلب الصورة المألوفة، ويجعل العينين مصدرًا يسلب النجوم ضوءها. وبذلك تتحول المحبوبة إلى مركز للجمال، بينما تصبح عناصر الطبيعة نفسها في موضع من يفقد جماله أمامها.
ويتكرر هذا البناء في قوله: “فارددي النوم”، إذ لا تكتفي العينان بسلب الضوء من النجوم، وإنما تمتد قدرتهما إلى سلب النوم وإدخال الأحلام في حالة من الأرق. وهنا ينتقل الشاعر من التأثير الخارجي إلى التأثير النفسي؛ فالنظر إلى المحبوبة لا يثير الإعجاب فحسب، وإنما يربك الوجدان ويحول السكون إلى أرق، ثم تتسع دائرة الصورة في قوله:
فارددي للموجِ زُرْقَةَ الحَدَقِ
فالشاعر يرد زرقة عيني المحبوبة إلى الموج، وكأنه يجعل البحر هو الذي استعار لونه من عينيها، وبذلك تتبادل المحبوبة والطبيعة عناصر الجمال. وتتصل هذه الصورة بحضور البحر في مقطوعات أخرى للشاعر، غير أن البحر هنا لا يمثل تجربة وجدانية مستقلة، وإنما يصبح جزءًا من بناء صورة المحبوبة وتعظيم جمالها.
ويؤدي تكرار “عيناكِ سارقتانِ” وظيفة تتجاوز التأكيد؛ فهو يمثل لازمة شعرية تنتظم حولها المقطوعة، وتمنحها إيقاعًا داخليًا، كما تجعل كل صورة لاحقة امتدادًا للصورة الأولى. فمرة تسرق العينان ضوء النجوم، ومرة تسلبان النوم، ومرة تمتدان إلى زرقة الموج، لتتدرج الصورة من السماء إلى النفس ثم إلى الطبيعة.
وهكذا تتأسس المقطوعة على المبالغة في تصوير جمال المحبوبة، لكنها لا تعتمد على المبالغة المجردة، وإنما تحولها إلى صور حسية متتابعة، مستمدة من الضوء والنجوم والنوم والأحلام والموج. وهو ما يكشف عن حضور واضح للخيال الرومانسي والاحتفاء بالجمال والطبيعة والحب، فضلًا عن قدرة الشاعر على إعادة تشكيل الصور المألوفة ومنحها دلالات جديدة.

– سابعًا: الطبيعة مرآة للذات ومجالًا للتجربة الوجدانية:
تحتل الطبيعة مكانة بارزة في التجربة الشعرية عند الشاعر، ولا تظهر بوصفها إطارًا خارجيًا للأحداث، وإنما تتحول إلى طرف فاعل في التجربة الوجدانية، تتجه إليه الذات بالخطاب، وتلقي عليه آمالها وآلامها. ويتجلى ذلك بوضوح في مقطوعته “أحبك أيها البحر”، التي أقام فيها الشاعر علاقة وجدانية مركبة مع البحر، تقوم على الحب والخوف، والأمل والخيبة، والاقتراب والصد في آن واحد، يقول:
أحبُّكَ أيُّها البحرُ
وأخشَى موجَكَ العاتي
وترجو النفسُ لُقياكَ
وفي لُقياكَ أنَّاتي.
يفتتح الشاعر مقطوعته بمفارقة وجدانية واضحة؛ فهو “يحب” البحر، لكنه في الوقت نفسه “يخشى” موجه العاتي. ولا تأتي هذه المفارقة عرضًا، وإنما تكشف عن طبيعة العلاقة التي تنشأ بين الذات والطبيعة في الأبيات؛ فالطبيعة ليست مصدرًا للطمأنينة دائمًا، بل قد تحمل في جمالها وقسوتها معًا ما يوافق اضطراب النفس الإنسانية. ويكشف قوله “وفي لُقياكَ أنَّاتي” عن إسقاط الشاعر تجربته الداخلية على البحر، إذ يصبح اللقاء به لقاءً بالآهات الكامنة في النفس، ثم يتحول البحر إلى ملاذ تتجه إليه الذات بحثًا عن الفرح:
ركضتُ إليكَ يا بحري
أفتِّشُ عن مسرّاتي
وأغرسُ شطَّكَ الميّاسَ
جنّاتي وروضاتي.
ويستوقفنا تكرار النداء “يا بحري”، إذ يمنح البحر صفة الألفة والقرب، حتى يبدو كأنه كائن تربطه بالشاعر علاقة شخصية حميمة. كما أن الفعل “ركضت” يوحي بشدة التعلق والاندفاع نحو هذا الملاذ، بينما تكشف جملة “أفتش عن مسراتي” عن أن الذات لا تتجه إلى البحر لمجرد التأمل في جماله، وإنما تبحث فيه عن خلاص وجداني وسعادة مفقودة.
وتبلغ الصورة ذروتها في قوله:
“وأغرس شطك المياس جناتي وروضاتي”،
حيث يستعير الشاعر فعل الغرس ليجعل من شاطئ البحر أرضًا قابلة لزرع أفراحه وآماله. فـ”الجنات” و”الروضات” لا تبدوان مجرد وصف للطبيعة، وإنما تمثلان ما تطمح الذات إلى إيجاده من سعادة وطمأنينة، غير أن هذه الآمال سرعان ما تصطدم بخيبة الواقع:
فغُلْتَ الغرسَ يا بحري
ولم تُجْدِ ابتهالاتي.
فبعد أن جعل الشاعر البحر موضعًا لغرس آماله، يصوره وقد أفسد هذا الغرس، لتتحول الطبيعة من مجال للرجاء إلى مصدر للخيبة. ويزداد هذا التحول وضوحًا عندما يعود الشاعر إلى البحر باحثًا عن المواساة:
ركضتُ إليكَ يا بحري
أبثُّكَ حرَّ آهاتي
وخِلتُ البثَّ يا بحري
يداوي من جراحاتي.
فالبحر هنا يأخذ وظيفة الصديق أو الرفيق الذي تُبث إليه الأسرار والآلام، وتتحول عملية “البث” إلى محاولة للعلاج النفسي. غير أن الشاعر يكتشف في النهاية أن الطبيعة، رغم قربها وألفتها، لا تستطيع أن تستجيب لألمه:
فما أنصتَّ للشكوى
ولا داويتَ علّاتي
وهنا تبلغ العلاقة بين الذات والطبيعة ذروتها؛ فالطبيعة التي ظنت الذات أنها قادرة على الاستماع والمواساة تخذلها في النهاية. ومن اللافت أن الشاعر يستخدم أفعالًا إنسانية مع البحر: “أنصت”، “داويت”، فيمنحه صفات الكائن الحي القادر على الاستماع والعلاج، وهو ما يجعل التشخيص من أبرز الوسائل الفنية في بناء هذه التجربة.
وتكشف المقطوعة في مجموعها عن حضور الطبيعة بوصفها مرآة للذات ومجالًا لإسقاط مشاعرها؛ فالخوف والحب، والرجاء والخيبة، والآهات والجراح، كلها تتحرك من داخل الذات إلى البحر، ثم تعود إليها في صورة أكثر وضوحًا. ومن هنا تتصل المقطوعة بالنزعة الرومانسية التي تجعل الطبيعة شريكًا للإنسان في تجربته الوجدانية، لا مجرد خلفية صامتة لها، كما تكشف المقطوعة عن قدرة الشاعر على تحويل عناصر الطبيعة إلى رموز نفسية؛ فالبحر يمثل في البداية ملاذًا ومصدرًا للأمل، ثم يتحول إلى فضاء للخيبة، بينما يصبح الشاطئ أرضًا لغرس الأمنيات، وتصبح الأمواج صورة للقوة التي قد تواجه الذات بما لا تستطيع مقاومته. وبذلك لا يصف الشاعر البحر بقدر ما يكشف من خلاله عن اضطراب النفس الإنسانية وتقلباتها بين التعلق والرجاء والانكسار.
ثامنًا: الزمن وقوة التحول
يتكرر حضور الزمن في شعر الشاعر بوصفه قوة فاعلة في تشكيل التجربة الإنسانية وتغيير ملامح الأشياء، فلا يظل الزمن مجرد إطار تتحرك داخله الأحداث، وإنما يتحول إلى قوة قادرة على المحو والتبديل وإعادة تشكيل الواقع. ويتجلى ذلك في قوله:
وإذا السنينُ تتابعتْ أيامُها
لم تُبقِ شيئًا مثلَ ما قد كانَ
صورٌ تخطُّ يدُ الزمانِ رسومَها
وتُبدِّلُ الأشكالَ والألوانَ.
يؤسس الشاعر في البيت الأول لرؤية قائمة على التغير وعدم الثبات؛ فتتابع السنين لا يترك الأشياء على صورتها الأولى، وإنما يعيد تشكيلها بصورة مستمرة، وهو ما تؤكده عبارة «لم تُبقِ شيئًا مثل ما قد كان». ويأتي النفي هنا مطلقًا، ليجعل التحول قانونًا شاملًا لا يستثني شيئًا من مظاهر الحياة.

– ثم ينتقل الشاعر إلى تجسيد الزمن في صورة فنية لافتة، فيقول: “صورٌ تخطُّ يدُ الزمانِ رسومَها”، إذ يمنح الزمن يدًا قادرة على الرسم والتخطيط. وتقوم هذه الصورة على التشخيص؛ فالزمن يتحول إلى فنان يرسم ملامح الأشياء ويعيد صياغتها، وبذلك ينتقل المعنى المجرد، وهو أثر الزمن في الموجودات، إلى صورة حسية يمكن للمتلقي تخيلها.
ويكتمل هذا التصوير في قوله:
“وتُبدِّلُ الأشكالَ والألوانَ”
فالأشكال والألوان تمثلان المظهر الخارجي للأشياء، غير أن دلالتهما تتجاوز المحسوس إلى ما هو أعمق؛ فالزمن لا يغير هيئة الأشياء فحسب، وإنما يبدل أحوالها وصورها وقيمها، حتى لا يبقى الماضي مطابقًا للحاضر.
وتتصل هذه الرؤية بما ظهر في مقطوعات أخرى للشاعر من حضور الزمن؛ ففي إحدى المقطوعات السابقة يقول: «وأجرى الزمانُ عليه جديدًا
من الهمِّ يلقاهُ همٌّ قديمُ»، حيث يظهر الزمن قوةً تضيف إلى التجربة الإنسانية آلامًا جديدة فوق آلامها القديمة. أما هنا فيتخذ الزمن صورة أكثر شمولًا، فيصبح قوة تغيير تعيد رسم الحياة كلها.
ومن ثم تكشف هذه الأبيات عن نزعة تأملية واضحة في شعر الشاعر، تتصل بالنزوع الرومانسي إلى التأمل في الإنسان والحياة والزمن، وإدراك هشاشة الأشياء أمام حركة الأيام. فالذات لا تقف عند وصف مرور الزمن، وإنما تحاول استجلاء أثره في الوجود، وتدرك أن ما يبدو ثابتًا لا يلبث أن يخضع للتحول والتبدل.

– خاتمة:
تكشف هذه المقطوعات، في مجموعها، عن تجربة شعرية تتعدد موضوعاتها وتتآزر ملامحها الفنية حول حضور الذات بوصفها مركزًا للتجربة. فالذات عند الشاعرإسماعيل عكاشة لا تقف موقف المتلقي السلبي لما يحيط بها، وإنما تدخل في صراع مستمر مع القيود والزمن والواقع العاطفي، وتبحث عن حريتها وسعادتها، حتى حين تقودها هذه المواجهة إلى الألم أو الخيبة.

– وقد ظهر التمرد في أكثر من صورة؛ فتارة جاء في مواجهة القيود وانتزاع السعادة من بين أيدي الظروف، وتارة اتخذ صورة داخلية تمثلت في الرغبة في إسقاط الجدار الذي يحاصر الروح، وتارة أخرى ظهر في المجال العاطفي من خلال رفض الخضوع لأحكام الجماعة أو الاستسلام لسطوة الماضي ومحاولات استعادة علاقة انتهت.
وفي المقابل، حضرت الطبيعة بوصفها شريكًا وجدانيًا للذات؛ فالنجوم والموج والبحر لم ترد بوصفها عناصر جمالية، وإنما دخلت في تشكيل التجربة النفسية وأسهمت في التعبير عن الحب والخوف والرجاء والخيبة. كما ظهر الزمن بوصفه قوة فاعلة في تشكيل الوجود، مرةً بوصفه شيئًا ينبغي اغتنامه وانتزاع الحياة منه، ومرةً بوصفه قوة تضيف الهموم إلى بعضها، ومرةً بوصفه يدًا تعيد رسم الأشياء وتبدل أشكالها وألوانها.

– وعلى المستوى الفني، تنوعت وسائل الشاعر بين الحوار والمفارقة والتكرار والتشخيص والاستعارة والرمز والتناص مع الموروث الديني، فضلًا عن توظيف الطبيعة والعناصر الحسية في بناء الصور الشعرية. وقد أسهم هذا التنوع في منح المقطوعات طاقة إيحائية تتجاوز المعنى المباشر إلى أبعاد نفسية وتأملية أعمق.

– ومن ثم يمكن القول إن النصوص المختارة تكشف عن ملامح رومانسية واضحة في تجربة إسماعيل عكاشة، تتمثل بصفة خاصة في الاحتفاء بالذات، والنزوع إلى الحرية والتمرد، والاهتمام بالتجربة العاطفية، واللجوء إلى الطبيعة، واستثمار الخيال والرمز، والنفاذ إلى أعماق النفس الإنسانية. غير أن هذه الملامح لا تعني بالضرورة انحصار تجربته في إطار المدرسة الرومانسية وحدها، وإنما تشير إلى حضور النزعة الرومانسية بوصفها أحد المكونات البارزة في رؤيته الشعرية، إلى جانب نزعات تأملية وواقعية وفنية أخرى تمنح تجربته خصوصيتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.