من مذكرات بطلٍ لم يحمل قلماً إلا ليخطط به للعبور، الفريق عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة في حرب أكتوبر، الذي صار رئيساً للأركان ووزيراً للحربية بعدها، نروي حكاية النصر لا بالشعارات، بل بالأرقام التي كانت ثمرة قرارٍ تاريخي اتخذه رجلٌ واحد فأيقظ أمة.
إنه قرار الرئيس البطل محمد أنور السادات، صاحب قرار العبور، الذي آمن أن ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، فأعطى الإشارة التي انتظرتها مصر ست سنوات، فانقلب الحزن في البيوت إلى عزيمة، وتحولت المرارة إلى مدافع.
في الساعة الثانية وخمس دقائق من ظهر السادس من أكتوبر، وبأمر من السادات، لم يكن صوت مصر هديراً، بل كان زلزالاً.
أكثر من ألفي مدفع، اصطفت على طول جبهة قناة السويس، من مختلف الأعيرة، فتّحت أفواهها دفعة واحدة في
قصفٍ مركزٍ استمر ثلاثاً وخمسين دقيقة بالتمام. كان الجحيم منظماً، وكانت النار شعراً. ففي الدقيقة الأولى وحدها،
سقطت على رؤوس حصون العدو عشرة آلاف وخمسمائة دانة، بمعدل مئة وخمس وسبعين دانة في الثانية الواحدة.
كأن السماء أمطرت غضباً مصرياً خالصاً بقرار من السادات.
وعلى هدير المدافع، كان الموج البشري يعبر.
في الدقائق الأولى للحرب، كان لنا على الضفة الشرقية، على تراب سيناء المقدس، ثمانية آلاف مقاتل. وما هي إلا ساعة
ونصف حتى صاروا أربعة عشر ألفاً، وبعد خمس ساعات فقط صاروا ثلاثة وثلاثين ألف مقاتل، حتى إذا أشرقت شمس
السابع من أكتوبر، كان هناك خمسون ألف بطل مصري قد زرعوا أقدامهم في الأرض التي أقسموا أمام قائدهم
السادات أن لا يتركوها. أي عظمة هذه؟!
ولم يكن العبور سباحة في قناة، بل كان معجزة هندسية كتبها العرق والدم.
سبعمائة وخمسون قارباً انطلقت تشق الماء، و ألف وخمسمائة سلم من الحبال عانقت الساتر الترابي الشاهق. وفي
ثماني ساعات فقط ، فعل مهندسونا الأبطال ما ظنه العالم مستحيلاً: فتحوا ستين ثغرة في ذلك السد الترابي اللعين،
وشيدوا ثمانية كباري ثقيلة ، و أربعة كباري خفيفة ، وأقاموا وشغلوا ثلاثين معدية . كانت أجسادهم مغطاة بالطين،
وأيديهم لا تفارق ثلاثمائة وخمسين مدفع مياه تزمجر ليل نهار، يسقط منهم شهيد فيتقدم آخر ليحمل المدفع من يد
أخيه.
ولأنها كانت حرب الشرف التي خطط لها السادات وقادها، تسابق القادة مع جنودهم نحو الموت والحياة.
عبر قادة الفصائل والسرايا في الدقائق الأولى، ولحق بهم قادة الكتائب بعد خمس عشرة دقيقة ، وعبر قادة الألوية خلال
خمس وأربعين دقيقة ، ولم تمر ساعة ونصف حتى كان قادة الفرق أنفسهم على الضفة الأخرى. وهذا هو السر الذي
يفسر لماذا كانت نسبة الشهداء عالية بين الضباط في الساعات الأولى.. كانوا في المقدمة، كما علمهم السادات أن
يكونوا.
وهنا.. تكتب أعظم سطور الملحمة.
ظل رجال المشاة وحدهم، بصدورهم العارية وسلاحهم الخفيف، صامدين من ست إلى ثماني ساعات كاملة أمام طوفان
الهجوم المضاد للمدرعات الإسرائيلية، ينتظرون عبور دباباتنا وأسلحتنا الثقيلة.
لأول مرة في تاريخ الحروب، يقف المقاتل الفرد، بلحمه ودمه وإيمانه بقائده ووطنه، في مواجهة دبابة من الصلب.
ولذلك، سميت حرب اللحم في مواجهة الصلب .
وصمد اللحم، وانتصر.
فقد استطاع أبطال المشاة وحدهم أن يدمروا مائة دبابة من أصل ثلاثمائة دبابة هاجم بها العدو.
إن كان جنود المشاة يوصفون في كل جيوش الدنيا بأنهم سادة المعارك ، فإن جنود المشاة في حرب أكتوبر، الذين عبروا
بقرار السادات، هم أباطرة المعارك ، وملوكها المتوجون بدم الشهادة وتراب سيناء.