من أبرز المواد التى درسناها فى الفرقة الأولى بكلية الحقوق كانت مادة ” القانون الدستورى ” التى تعد فرعا من فروع القانون العام ، وهى مجموعة القواعد والأحكام القانونية التي تحدد شكل الدولة ، ونظام الحكم فيها ، وتنظم عمل السلطات العامة ( التشريعية ، التنفيذية ، والقضائية ) واختصاصاتها والعلاقة بينها ، بالإضافة إلى تقرير الحقوق والحريات العامة للأفراد والضمانات المقررة لها .. إلخ . وتنقسم المادة لـ قسمين الأول ( النظرية العامة للدستور أو ” المبادىء الدستورية ” ) وفيها : تعريف القانون الدستورى وموقعه من الهرم القانونى ـ وأركان الدولة ـ والدستور ” مفهومة وأنواعه “ـ وطرق نشأه الدساتير ـ والرقابة على دستورية القوانين ، والقسم الثانى
معنى بالحكومة ـ والنظم السياسية ومنها ” النظام الديمقراطى ــ والنيابى ” .. ولا أود أن أطيل .
والدستور .. هو أبو القوانين وأعلاها فى الدولة ، وهو الذى يحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها ” ملكى ـ جمهورى ” ، وينظم السلطات العامة ” التشريعية ـ التنفيذية ـ القضائية ” فى تكوينها وإختصاصاتها والعلاقة بينها إضافة إلى الحقوق والحريات ” حرية الرأى ــ والعقيدة ” . والدستور هو أعلى وثيقة فى الهرم التشريعى وتلتزم به كل القوانين الأدنى منه ، وتراقب ” المحكمة الدستورية العليا ” دستورية القوانين واللوائح فى حال مخالفتها للدستور .
وتتدرج الدساتير فى طريقة تعديلها مابين دساتير ” مرنه وجامدة ” ، وهناك دساتير مكتوبة فى وثيقة رسمية ، ودساتير عرفية غير مكتوبة ولكن إستقر العمل بها رغم عدم كتابتها ، أما تعديل الدستور فعادة مايسبقه ” حوار مجتمعى ” ، وهناك دساتير تحدد إجراءات معينه فى طريقة تعديلها ، ومنها مايحتاج إلى موافقة أغلبية نواب البرلمان ، وبعدها يحال إلى ” لجنة الشئون التشريعية والدستورية ” ، وهناك قواعد إجرائية يمر بها تعديل الدستور ، وبقى أن أشير إلى أن دستور الجمهورية الفرنسى يعد من أهم الدساتير فى العالم .
أما أهم مايميز الدساتير هو الثبات وعدم التغيير إلا فى أضيق نطاق ، ولمصر تاريخ طويل مع الدساتير بدأتها فى القرن الـ 19 ومرت بعدد من المراحل ، وأول وثيقة دستورية رسمية فى مصر كانت فى عهد الخديوى توفيق فى عام 1882م ، مرورا بدستور 1923 م عقب استقلال مصر فى عهد الملك فؤاد الأول ، وهو يُعد أبرز وأطول الدساتير ديمقراطية في العهد الملكي ، ودستور 1930م الذى كان محل إختلاف وجدل واسع لتقليصه سلطات البرلمان لصالح الملك ، ودستور 1956م أول دستور يصدر فى عهد جمال عبدالناصر بعد ثورة يوليو 1952م ، ودستور 1958م المؤقت وصدر بعد قيام الوحدة بين مصر وسورية ، ودستور عام 1971م الذى صدر فى عهد السادات والذى عُرف بـإسم “دستور مصر الدائم” والذى إستمر العمل به حتى ثورة يناير 2011 م
وفى عهد محمد مرسى صدر دستور عام 2012م ، وكان دستورا مؤقتا تم تعطيله لاحقا ، ثم جاء دستور عام 2014م وما لحق به من تعديلات عام 2019م وهو الدستور الحالى للبلاد . هذا التاريخ الطويل الذى شهدته مصر من النضال فى وضع الدساتير كان هدفه الأول وضع دستور وطنى يكون مرجعا أساسيا لنظام الحكم ويرسخ مبدأ الفصل بين السلطات ؛ ويقر الحقوق والواجبات العامة فى البلاد .
والحقيقة .. أن مصر اليوم تمر بالعديد من التحديات الداخلية والخارجية لعل أبرزها قسوة الاوضاع الاقتصادية وإرتفاع الأسعار التى طالت كل شىء ، وإرتفاع معدلات التضخم ، وتدنى القوة الشرائية للجنية المصرى وتراجعه أمام الدولار ، وأعباء الديون بالقدر الذى أوجد حالة من الضيق والتذمر لدى جموع الشعب المصرى ، وزاد الأمر تعقيدا الآداء المترهل للحكومة والذى لايرق إلى مرتبة الحدث بالقدر الذى اعطى الفرصة لـ أبواق مسمومة توارت وإختبأت لفترة ثم عادت لـ تطل بوجهها القبيح لتنفث سمومها فى الوطن من جديد فى محاولة يائسة لهدم الدولة المصرية وماتحقق على أرض الواقع من إنجازات مستخدمة كل الوسائل الكنولوجية الحديثة وثورة المعلومات وحروب الجيل بهدف تغييب الفكر وهدم الدولة بالثورة على تلك الأوضاع المتردية !!
هذا بخلاف الضغوط الخارجية الناتجة عن التوترات الاقليمية التى زادت الأمر تعقيدا وأدت إلى تراجع إيرادات الدولة من
قناة السويس والسياحة .. وغيرها . وعلى النقيض من تلك الأصوات ظهرت أبواقا إعلامية تدعى الوطنية وبدلا من أن
تتبنى رسالة إعلامية تعمل على تهدئة الرأى العام وتشرح وتبين أهمية المشروعات القومية الكبرى التى تقيمها الدولة
والتحديات الداخلية والخارجية التى تواجهها الدولة المصرية ، سكبت الزيت على النار وكأنما وضعت يدها على الجرح
وضغطت عليه وقالت ” هنا يؤلمك ” وأصبحت كالدبة التى قتلت صاحبها ؛ وقد ملأت الفضاء وعبر الأثير بطنطة ” تعديل
أو تغيير ” الدستور ووضع دستور يتماشى مع المرحلة الحالية التى تمر بها الدولة أو ” الجمهورية الجديدة ” كما قيل .
والحقيقة .. دوما تأتى الرياح بما لاتشتهى السفن أو يشتهى السفن ” الربان ” جاءت ردود الأفعال على تلك التلميحات
التى إعتبرها البعض بمثابة ” جس نبض ” جاءت متباينة واظهرت إنقساما شديدا بل ومرعب فى الشارع المصرى
المحتقن بالقدر الذى جعل الجميع يضع يده على قلبه مما هو آت وبما يحاك لهذا البلد فى خفاء ، وقويت الأصوات التى
تحاول أن تفت من عضد الدولة ، وزاد الأمر تعقيدا وجود تيار جديد يتبنى حملة توقيعات ألكترونية تطالب بتمديد حكم
الرئيس حتى عام 2050م على غرار حملات سابقة أبرزها ” كمل جميلك ” فى 2014م وحملة ” علشان تبنيها ” ، وكالمعتاد
أثارت الحملة تفاعلات وإنتقادات على منصات التواصل مابين مؤيد ومعارض لها !! .
وحسنا فعل الرئيس خلال الندوة التثقيفية ، عندما حسم هذا الجدل ، وأعلنها صراحة أنه لانية لتعديل الدستور وقال :
دستور مصر لن يمسه أحد .. محذرا من محاولات التضليل وتزييف الوعى وإثارة الرأى العام ، وهذا تأكيد على أن تعديلات
عام2019م التى غيّرت نظام مدد الرئاسة ، ومدّت الولاية لـ 6 سنوات ، وفتحت باب الترشح لـ إنتخابات بالتعددية الحزبية
وبالفعل أجريت فى ديسمبر 2023م إنتخابات رئاسية شارك فيها 4 مرشحين ، فاز فيها المرشح المستقل الرئيس
عبدالفتاح السيسى بولاية إضافية تنتهي في 2030م . يمكن أن نعتبرها آخر تعديلات تجرى على دستور مصر .
تأكيد الرئيس على عدم المساس بالدستور كان رسالة حاسمة ترسخ لـ دولة المؤسسات وتقطع الطريق على
المشككين ، ويفتح الباب أمام إنتقال سلمى للسلطة ، وهو الأمر الذى يُرسّخ جوهر النظام الجمهوري القائم على تداول
السلطة ، ويضع الجميع أمام مسئولية تتطلب الاستعداد من الآن لـ إستحقاق إنتقال السلطة ..
ومن جميل ماقرأت فى هذا الشأن ( أن القيمة الحقيقية للاستقرار – الذي راهننا عليه – أن يتحول إلى مؤسسات راسخة ،
ودستور يُحترم ، وسلطة تتداول ، ودولة تستمر وتتقدم مهما تغيرت الأشخاص .سنجني هذه الثمار بإذن الله مهما كانت