جهاد شوقى السيد تكتب: سلب الحريات في زمن الشائعات

جهاد شوقى السيد

هل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر في هذا الزمان؟ وهل يتم دفع بعض الأفكار إلى الذاكرة الإنسانية رغمًا عن صاحبها؟

وبشكل آخر، هل يتم سلب بعض الناس حرية الاختيار ودس أفكار أخرى تخدم مصالحهم؟

والإجابة واضحة وضوح الشمس: نعم، وبكل تأكيد.

فقد تستخدم بعض الطرق لإرغام الأشخاص على شراء سلعة ما، من خلال تكرار اسمها في الإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي،

فتُرغم مستقبلاتك الحسية على السعي نحو معرفة المزيد عنها وتجربتها. وهنا يتم دس أفكار في العقل الباطن للإنسان

لغرض استهلاكي، وفي كثير من الأحيان يجد الشخص نفسه في غنى عن هذا المنتج ولا يحتاج إليه.

وهذا مثال صغير جدًا على استغلال عقل الإنسان في التسويق، وهذا النوع من التأثير قد لا يشكل خطرًا بعيد المدى،

ولكن ماذا لو أخبرتك أن بعض الدول تستخدم الكثير من هذه الحيل لعمل غسيل مخ للبعض، وتمرير بعض المعلومات

لمعرفة أثرها على المواطن وقياس رد فعل سائر المجتمع؟

ترويج الشائعات على وسائل التواصل

ويكون ذلك عن طريق ترويج الشائعات على وسائل التواصل الاجتماعي، مما قد يقود المجتمع نحو اختيار اتجاه معين يصب في مصلحة بعض الفئات.

والعكس صحيح أيضًا، فقد يروج البعض لشائعات تضر بمصلحة البلد وتؤثر على اقتصادها،

وقد تكون بعض هذه الشائعات ممولة من الخارج بهدف زعزعة الأمن والاستقرار.

وقد حدث هذا كثيرًا من قبل، ونذكر أزمة السكر التي بدأت بشائعة صغيرة، جعلت بعض التجار يتدافعون لاحتكار كميات من السلعة،

مما أصاب السوق بالاضطراب، ودفع المواطن إلى الفزع والنزول لجمع السلع التي توقع اختفاءها.

كما انتشرت شائعات عن اختفاء بعض الأدوية، مما أدى إلى ارتفاع أسعارها نتيجة الإقبال على شرائها وتخزينها.

وقد تمادت بعض الشائعات إلى الترويج لوجود أزمات في المجال الملاحي بقناة السويس، في محاولة لضرب البورصة المصرية

والتأثير على الاستثمار القائم على استقرار الأوضاع، في ظل ما تشهده المنطقة من حروب واضطرابات.

وإذا كانت الشائعات بهذه الخطورة على وسائل التواصل الاجتماعي، فماذا يمكن أن نفعل للحيلولة دون حدوث أزمات

بسبب ما يتناقله رواد مواقع التواصل الاجتماعي؟

الإجابة ذُكرت منذ مايزيد على ألف وأربعمائة عام، فقد أمرنا الله عز وجل في كتابه العزيز بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.

فتناقل الأخبار والشائعات مسؤولية الفرد قبل المجتمع، ويجب التحقق من صحة الأخبار قبل نشرها والترويج لها،

فربما تحمل الشائعة سلاحًا فتاكًا يؤدي إلى أضرار كثيرة دون أن نعلم.

وقد شهدنا أيضًا ظاهرة ما يسمى بـ«الإنفلونسرز»، وظهور البعض منهم من العدم، ثم متابعة الكثير من الناس لهم.

ويبدأ البعض منهم في كسب ثقة المواطنين والمتابعين، ويستخدم بعضهم الحس الفكاهي المعروف به الشعب المصري،

ثم بعد ذلك يبدأ هذا الإنفلونسر في دس أفكاره في رؤوس متابعيه.

من يحرك خيوط هذه الدمى؟

وغالبًا ما يتم طرح فكرة معينة عن طريق أكثر من إنفلونسر، في ظاهرة تدعو إلى التساؤل: من يحرك خيوط هذه الدمى؟

ومن يمول هؤلاء؟

فللحروب الحديثة أسلحتها، وقد أصبحت الكلمة والشاشة من بين هذه الأسلحة، وغرضها السيطرة على عقل الإنسان

وجعله في حالة حرب داخلية مع أفكاره ومعتقداته، يعيش معها في حالة من الشك الدائم وعدم الثقة في كل ما يحيط به.

وتقوم التكنولوجيا الحديثة والخوارزميات بتفسير وتحليل اهتمامات كل فرد، حتى يسهل الوصول إليه من خلال اهتماماته.

فعندما يقوم شخص بالبحث عن سيارة، على سبيل المثال، تبدأ محركات البحث والمنصات المختلفة في عرض إعلانات السيارات أمامه،

وفي بعض الأحيان، عندما تفكر فقط في شيء، تجده أمامك على منصات التواصل الاجتماعي!

ويكون أخطر ما تقوم به هذه المنصات هو أن تجعلك ترى الحقيقة أمام عينيك، ولكنك لا تستطيع إدراكها أو تصديقها،

وسط هذا الكم الهائل من المعلومات والأخبار المتناقضة.

وهنا، إذا كنا جميعًا معرضين لهذا النوع من التأثير، فماذا يمكن أن نفعل؟
إن الخطوة الأولى هي إدراك ذلك، والخطوة الثانية هي تحكيم العقل والرجوع إلى المنهج الإلهي، وهو التبيُّن، لمعرفة الفرق بين التضليل والحقيقة.

ففي زمن أصبحت فيه المعلومة أسرع من قدرتنا على التحقق منها، أصبحت مسؤولية الإنسان أكبر من أي وقت مضى. فقبل أن نضغط زر المشاركة، علينا أن نسأل أنفسنا: هل ما أنشره حقيقة؟ وهل يمكن أن يؤدي نشره إلى الإضرار بإنسان أو مجتمع؟
فالحرية الحقيقية لا تعني أن نصدق كل ما يصل إلينا، وإنما أن نمتلك القدرة على التفكير والتمييز والتحقق، وألا نسمح لأحد بأن يصنع أفكارنا نيابةً عنا.
وفي زمن الشائعات، يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول، ويبقى التبيُّن هو الطريق الأقرب إلى الحقيقة.

Pin It on Pinterest