الكاتب الصحفي محمد  العزيزي يكتب: شرق أوسط يُعاد تشكيله.. وأصحابه غائبون ! 

الكاتب الصحفي محمد العزيزي
الكاتب الصحفي محمد العزيزي

إلى أين يتجه الشرق الأوسط؟ السؤال ليس مجرد محاولة لاستشراف المستقبل بل ضرورة تفرضها تطورات متسارعة تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات وموازين القوى في ظل صراع إقليمي ودولي تتشابك فيه المصالح الاستراتيجية مع أطماع السيطرة بينما تتقلص فرص التوافق العربي لخلق رؤية مشتركة تحمي أمن المنطقة ومستقبل شعوبها.

تتحرك إسرائيل وفق مشروع يسعى إلى فرض واقع إقليمي جديد يمتد إلى توسيع نطاق نفوذها والتحكم في معادلات الأمن والممرات الحيوية من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر وباب المندب مستفيدة من الدعم الأمريكي المستمر ومن حالة الانقسام العربي وفي ذات الوقت  تواصل عملياتها في الأراضي الفلسطينية ولبنان وسوريا بما يثير القلق من أن تتحول الاعتداءات والتوغلات إلى وقائع جغرافي وسياسي يصعب تغييره لاحقًا!

وفي المقابل تسعى إيران إلى تثبيت نفوذها الإقليمي عبر حلفائها في المنطقة حيث تستخدم أوراق الضغط العسكرية والاستراتيجية لتعزيز موقعها في معادلات المنطقة بما في ذلك أمن الخليج والملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

وبين المشروع الإسرائيلي والطموحات الإيرانية تجد دول المنطقة نفسها أمام معادلة بالغة الخطورة تتجاوز حدود التنافس التقليدي إلى صراع على شكل النظام الإقليمي الذي سيتبلور في المرحلة المقبلة.

ولا تقف تركيا بعيدًا عن هذه التحولات إذ تعمل على توسيع حضورها السياسي والعسكري والاقتصادي وتوظف علاقاتها الإقليمية واتفاقاتها البحرية لخدمة مصالحها الاستراتيجية!

 وقد اكتسب هذا المسار تطورًا جديدًا مع تحركات تتصل بالاتفاق البحري الموقع بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية عام 2019 – والذي تم التوقيع عليه مع برلمان الشرق مؤخرا – وهكذا تتسابق القوى الإقليمية لتثبيت مواقعها وتعزيز أوراق نفوذها، بينما يظل السؤال الأهم: أين تقف المصالح العربية وسط هذا السباق؟

المشكلة لا تكمن في تعدد المشاريع الإقليمية رغم خطورتها، بل في غياب رؤية عربية مشتركة قادرة على التعامل معها، فاختلاف الأولويات وتعارض المصالح بين الدول العربية وغياب دور فاعل للجامعة العربية أضعف القدرة على بناء موقف جماعي تجاه قضايا الأمن القومي، وسمح للقوى الأخرى باستثمار الخلافات وتوسيع نفوذها.

والأخطر أن بعض هذه الخلافات تجاوز مجرد الخلاف السياسي إلى تهديد مفهوم الدولة الوطنية ذاته عندما تتقدم حسابات النفوذ والمصالح الضيقة على وحدة الدول ومؤسساتها وسيادتها.

وتزداد المخاوف مع التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة وما يصاحبها من تقارير عن إعادة تمركز القوات وتقليص الوجود في بعض المواقع في ظل احتمالات التصعيد مع إيران، ولا يمكن الجزم بأن واشنطن تستعد للانسحاب من المنطقة حسب بعض التقارير المتداولة وترك دولها لمواجهة صراعاتها، لكن من المؤكد ضرورة أن نسأل عن طبيعة الدور الأمريكي في المرحلة المقبلة وعمن سيتحمل تكاليف الانخراط العسكري الأمريكي المباشر إذا اتسعت دائرة المواجهة مرة أخري أو أخيرة!

فواشنطن تتحرك وفق حسابات مصالحها أولًا، وقد تعيد توزيع أدوارها العسكرية بما يحقق أهدافها بأقل تكلفة ممكنة تاركة للقوى الإقليمية أعباء أكبر في إدارة صراعاتها. وإذا تحقق هذا السيناريو تصبح دول المنطقة نفسها أمام سباق تسلح جديد واستنزاف اقتصادي وعسكري طويل بينما تستفيد أسواق السلاح من تصعيد غير محسوب وتتراجع فرص التسوية السياسية.

وهنا تبدو المفارقة واضحة وجلية، فبدلًا من توجيه الموارد إلى التنمية وبناء الاقتصادات المتعثرة وحماية شعوب المنطقة من الفقر والاضطراب، تجد دول المنطقة نفسها مضطرة إلى إنفاق المزيد على التسلح والاستعداد لمواجهات متتابعة لن تحقق أمنًا مستديما لأي طرف. بينما في الوقت نفسه تواصل إسرائيل استثمار هذا التدهور لتوسيع عملياتها العسكرية وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما يجعل غياب التوافق العربي أكثر تكلفة من أي وقت مضى.

وسط هذه الصورة المضطربة جاءت دعوة شيخ الأزهر إلى التحرك من أجل وقف الحروب واحتواء التصعيد لتعيد طرح السؤال المهم حول مسؤولية العالمين العربي والإسلامي عما يجري في المنطقة، والمفارقة أن منظمة التعاون الإسلامي تضم 57 دولة بينها دول تمتلك قدرات اقتصادية كبيرة وتأثيرًا في السياسة والاقتصاد العالمي فضلًا عن دولة نووية،

ومع ذلك لا تزال القدرة على تحويل هذا الثقل إلى ضغط جماعي فاعل من أجل وقف الحروب وتسوية الصراعات قدرة محدودة وربما منعدمة!

وهنا تفرض المصالح نفسها بوصفها أحد أهم أسباب تعطل العمل الجماعي فلكل دولة حساباتها وتحالفاتها وأولوياتها، وقد تتعارض هذه الحسابات مع مصالح دول أخرى حتى عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس أمن المنطقة واستقرارها.

لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: إلى أي مدى يمكن لهذه المصالح المتباينة أن تبرر استمرار العجز عن التأثير في مسار الحروب أو الحد من تداعياتها التي تتزايد تكلفتها على الجميع؟ 

إن حماية المصالح الوطنية لا تتعارض بالضرورة مع العمل المشترك بل قد تصبح أكثر صعوبة حين يغيب الحد الأدنى من التنسيق والتوافق على القضايا المصيرية.

إن المطلوب ليس تجاهل الخلافات أو افتراض إمكانية توحيد مواقف جميع الدول في كل القضايا، وإنما الاتفاق على حد أدنى من الأولويات في مقدمتها وقف الحروب واحترام سيادة الدول وتكريس مفهوم الدولة الوطنية،

الآن يقف الشرق الأوسط أمام مفترق طرق تتصارع فيه المشاريع الإقليمية والدولية على النفوذ والمصالح بينما تظل الدول العربية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على حماية أمنها وصياغة مستقبلها، فالمسألة لم تعد مجرد خلافات سياسية أو حسابات متعارضة وإنما تتعلق بمن يمتلك القدرة على تحديد اتجاه المنطقة ومستقبلها ومن يترك للآخرين مهمة تحديد هذا الاتجاه نيابة عنه .

فمن لا يمتلك رؤية لمستقبله يترك للآخرين فرصة رسم هذا المستقبل نيابة عنه !

 

Pin It on Pinterest