المظاهرات التي تشهدها بعض الدول الأوروبية ومنها فرنسا وألمانيا وإيطاليا تثير الاهتمام وتلفت الانتباه إلى طبيعة المطالب التي يرفعها المتظاهرون رغم التحفظ علي خروج بعضها عن قواعد التظاهر السلمي مما جعلها تشهد اعتقالات وعنف ومواجهات مع الشرطة!
لكن بعيدًا عن مشاهد الاشتباكات والتخريب هناك أمر يستحق التوقف أمامه والتأمل فيه يتعلق بأولويات هذه المطالب والتي يأتي التعليم علي رأسها.
ففي الوقت الذي تتصدر فيه شكاوى الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة جانبًا مهمًا من مطالب المتظاهرين يبرز التعليم باعتباره قضية أساسية من خلال المطالبة بتحسين مستواه وزيادة الإنفاق عليه وتوفير مقومات أفضل للعملية التعليمية وهي دول مشهود لها بتقديم تعليم متميز ، وهنا تبدو المفارقة اللافتة للانتباه، فالمواطن الذي يحتج على ظروف معيشته لا ينشغل فقط بما يعاني منه اليوم، وإنما يطالب أيضًا بما يضمن مستقبلًا أفضل لأبنائه ومجتمعه.
البعض يتحدث عن ربيع أوروبي، لكنه بالتأكيد لا يشبه الربيع ” العبري “الذي اجتاح منطقتنا قبل سنوات وترك خلفه دولًا دخلت دوامة الصراعات والانقسامات، وعرض مؤسساتها للتفكك، حتى أصبح بعضها مهددًا بفقدان وحدته وقدرته على البقاء كدولة موحدة، وما زالت بعض هذه الدول تعاني اقتتالًا داخليًا تتداخل فيه المصالح والتدخلات الإقليمية والدولية، بما يجعل العودة إلى الاستقرار واستعادة الدولة الوطنية أمرًا بالغ الصعوبة وربما يكون مستحيلا
ومع ذلك لا يعني أن كل ما جرى في أوروبا يخلو من العنف أو التجاوزات أو أن كل مطالب المتظاهرين هناك تتجه بالضرورة نحو الإصلاح.. لكن اللافت في المقارنة هو طبيعة الأولويات التي تظهر في جانب من هذه الاحتجاجات، فالتعليم هناك ليس مجرد خدمة يطالب المواطن بتحسينها، وإنما هو قضية ترتبط بمستقبل المجتمع وقدرته على التقدم وتحقيق الرفاهية ..
وهنا يظهر الفارق الذي يستحق التأمل بين ربيع يبحث عن تعليم أفضل ومستقبل أكثر تقدمًا، وربيع عبري دفع بعض الدول إلى مسارات الفوضى والصراع والهدم .
القضية ليست في حق الشعوب في الاحتجاج أو رفضها للأوضاع التي لا ترضيها – هذا حق لا جدال ولا منازعة فيه – القضية في طبيعة المطالب ودرجة الوعي الذي يحدد اتجاه هذه الاحتجاجات والقدرة على التمييز بين إصلاح الدولة وهدمها.
وإذا انتقلنا من المشهد الأوروبي إلى واقعنا سنجد أنفسنا أمام مفارقة أخرى تتعلق بالتعليم، فنحن نتحدث كثيرًا عن ضرورة تطوير العملية التعليمية ونطالب بتخريج أجيال قادرة على ملاحقة التطور في العالم، لكن بعض الممارسات المجتمعية تسير في اتجاه معاكس تمامًا. فهناك من يقاوم أي تغيير في المناهج أو أساليب التقييم ليس لأن التغيير خطأ أو لا لزوم له وإنما لأنه يفرض على الطالب مزيدًا من الفهم والاجتهاد، ويضعه أمام مسؤولية حقيقية في التعلم.
كما لا يمكن إغفال سلوك بعض أولياء الأمور الذين يساعدون أبناءهم على الغش، أو يتعاملون مع الامتحانات باعتبارها عقبة ينبغي تجاوزها بأي وسيلة، ويطالبون دائمًا بتخفيف المناهج وتسهيل الامتحانات وتقليل مستوياتها حتى يحصل الأبناء على مجموع مرتفع يؤهلهم للالتحاق بكليات القمة بصرف النظر عن قدراتهم الحقيقية أو ما حصلوه من علم ومعرفة.
وبالطبع لا نتحدث هنا عن جميع أولياء الأمور ولا ننكر أن المناهج قد تحتاج إلى تطوير وأن الامتحانات يجب أن تقيس الفهم والقدرة على التفكير لا الحفظ والتلقين، لكننا نتحدث عن ثقافة اختزلت التعليم في الدرجات والنجاح في الشهادة والمستقبل في اسم الكلية حتى أصبح الحصول على المجموع أحيانًا أهم من بناء العقل نفسه، وهذه الظاهرة لا تخص طالبًا أو أسرة بعينها وإنما تعكس خللًا في نظرتنا إلى التعليم ودوره
فالمجتمع الذي يريد أن يتقدم لا يمكنه أن يطالب بتعليم حديث ثم يقاوم كل ما يتطلبه هذا التعليم من تغيير في التفكير والسلوك، ولا يمكن أن ننتظر من أبنائنا أن ينافسوا العالم بينما نساعدهم على مجرد تجاوز الامتحانات بدلًا من اجتيازها بجدارة.
التعليم ليس مجرد بند في ميزانية الدولة ولا مجرد مبانٍ وفصول وكتب وامتحانات، وإنما هو استثمار في الإنسان وفي قدرته على التفكير والاختيار والعمل والإبداع، ولذلك فإن المطالبة بزيادة مخصصاته وتحسين جودته تعني في حقيقتها المطالبة بمستقبل أفضل وليس مجرد تحسين خدمة من الخدمات العامة.
من حق الشعوب أن تتظاهر ومن حقها أن تنتقد وتطالب بتحسين أوضاعها المعيشية والخدمية، بل إن هذه المطالب تمثل أداة مهمة لتصحيح المسار ومحاسبة المسؤولين.. لكن الفارق الكبير يظهر عندما يمتلك المجتمع وعيًا يحميه من الانجراف وراء الشعارات التي تستهدف هدم مؤسساته أو تدفعه إلى صراعات لا يعرف كيف يخرج منها.
ربما تكون أهم رسالة في مشهد المظاهرات الأوروبية أن الشعوب لا تنشغل فقط بما ينقصها اليوم وإنما بما تحتاج إليه غدًا ، أما نحن فما زلنا في حاجة إلى مراجعة كثير من أولوياتنا، وفي مقدمتها نظرتنا إلى التعليم، وإدراك أن بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان.
فلا خوف من التظاهر أو النقد أو المطالبة بالتغيير حينما يكون الوعي هو المعيار الحاكم وحينما تكون المطالب طريقًا للإصلاح وليس معولًا لهدم الدولة !