الإعلامي محمود عبد السلام يكتب : فاروق شوشة.. حارس الضاد وصوتٌ من حرير

الإعلامي محمود عبد السلام
الإعلامي محمود عبد السلام
في سماء الأثير المصري، ثمة أصوات لا تذوي، وأسماء لا تعبر مرور الكرام، بل تستقر في الوجدان كما يستقر اللحن في الروح. ومن بين تلك القامات السامقة، يطل علينا اسم الإذاعي الشاعر فاروق شوشة، فارس الميكروفون، وسادن اللغة العربية الجميلة، الذي جعل من الكلمة رسالة، ومن الصوت وطناً.
لم يكن مجرد مذيع يقرأ نشرة، أو شاعر ينظم قافية، بل كان عاشقاً متبتلاً في محراب اللغة العربية، مؤمناً بأن اللغة ليست حروفاً تُنطق، بل هوية تُصان، وحضارة تُروى. كان صوته إذا انطلق، انساب كجدول رقراق، عذب النبرات، رخيم الإيقاع، يأخذ بيد السامع إلى بساتين البيان، ويعلمه كيف يتذوق الحرف، ويصغي للجمال.
كان لقاؤنا لقاء من يبحث عن الابداع ومن يملكه وامتد اللقاء اكثر من ساعتين تنفست بعدها عبير اللغة وظللت ادون فى ذاكرتي كل ما قال عن الاعلام والاداء واللغة والابداع الشعرى ، عرفت ان هذا الصوت
خرج من قلب قرية وادعة تتنفس الشعر، في أقصى الشمال، حيث نشأ على حفظ كتاب الله، فاستقام لسانه، ورقّ وجدانه. درس العربية في دار العلوم فعشقها، ثم ولج إلى عالم التدريس قبل أن يناديه الميكروفون، فيلبي النداء، ويلتحق بالإذاعة المصرية، ليبدأ من هناك رحلة مجدٍ تليدة.
لم يلبث أن أصبح أحد أعلامها، بصوته الآسر وثقافته الموسوعية، حتى اعتلى هرم القيادة فيها، مقدماً نموذجاً نادراً للإعلامي الأديب، الذي يجمع بين حنكة الإدارة وسمو الرسالة.
وإذا ذُكر فاروق شوشة، ذُكر برنامجه الخالد لغتنا الجميلة، ذلك الأثر الإذاعي الذي لم يكن برنامجاً فحسب، بل كان مدرسةً مفتوحة على سحر العربية. من خلاله، طاف بالمستمعين بين رياض الشعر العربي، قديمه وحديثه، يشرح البيان، ويقوّم اللسان، ويغري بالقراءة.
كان يفتتحه ببيت كبير الشعراء حافظ إبراهيم الذي صار أيقونةً في الذاكرة:
أنا البحر في أحشائه الدر كامنٌ
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟”
فكان البرنامج بحق بحراً يغوص فيه ليستخرج لآلئ العربية، مؤكداً أن الضاد ليست لغة تواصل فحسب، بل هي ذاكرة أمة وجسرها الممتد بين الأمس واليوم
ولم يكتف بالأثير، بل أطل على الشاشة عبر أمسياته الثقافية التي كانت ملتقى للفكر والإبداع، يستضيف فيها كبار الأدباء والمفكرين، ويفتح نوافذ الحوار الرصين، إيماناً منه بأن الإعلام تنوير لا إثارة، وبناء للإنسان لا مجرد تسلية. ولا ينمحي من ذاكرتي حتي الان استضافته للشاعر الكبير امل دنقل
أما في دنيا الشعر، فقد كان شاعراً وجدانيا مرهفاً، حمل همّ الإنسان والوطن، وكتب للحب وللحنين، وللأرض وللأمة. أثرى المكتبة العربية بدواوين تفيض عاطفةً وصدقاً، منها ما تغنى بالسفر والانتظار، ومنها ما ناح على جراح العروبة، ومنها ما همس للقلب المحب حتى البكاء. كما مد يده إلى عالم الطفل، فكتب له شعراً يصوغ خياله على الجمال والفصاحة.
ولم يكن شاعراً فقط، بل ناقداً ومفكراً، له مؤلفات مضيئة دافع فيها عن العربية وجمالها، وعن القراءة كفعل عشق، وعن الشعر كأول الكلام وآخره
حصد في مسيرته تكريمات وجوائز رفيعة، وتقلد مناصب ثقافية جليلة، فكان رئيساً لاتحاد الكتاب، وحارساً أميناً لمجمع اللغة العربية، لكن أرفع وسام ناله هو حب الناس، وبقاء صوته في الذاكرة.سلاماً وتحية اجلال وتقدير لفاروق شوشة حارس الضاد فى اعلامنا العربي الذى مرت ذكرى رحيله الاربعاء ١٤ اكتوبر دون ان يتذكره احد …… للاسف
لقد رحل الجسد، لكن الصوت باقٍ لا يغيب. كلما سمعنا عربيةً سليمة، أو كلمةً راقية، تذكرنا فاروق شوشة، الرجل الذي علمنا أن الكلمة الجميلة لا تموت، وأن أصحاب الرسالات الخالدة يظلون أحياءً بما تركوه من أثر طيب في العقول والقلوب.
سلامٌ على روحه، وسلامٌ على صوته الذي كان ولا يزال جسراً من نور إلى ضفاف لغتنا الجميلة.

Pin It on Pinterest