عبد الناصر البنا يكتب : أخى وأبطال صنعوا النصر ــ كلاكيت كل عام !!

عبد الناصر البنا
عبد الناصر البنا

على بريدى الخاص وصلتنى رسالة من صديق عزيز كان يحمل رتبة عالية فى أحد الأجهزة السيادية بالدولة مهنئا بالذكرى الـ 53 لنصر اكتوبر المجيد ، مشفوعا ب(لينك) لخطاب النصر الذى ألقاه الرئيس محمد أنور السادات أمام مجلس الشعب فى 14 أكتوبر 1973م ، بوصفه أحد الوثائق التاريخية والسياسية فى تاريخ مصر الحديث ومايحمله هذا الخطاب من دلالات ، قد لايسع المقام لذكرها !! .

وهى المناسبة التى إعتاد المصريون تبادل التهانى فيها كل عام إبتهاجا بالنصر العظيم الذى حققه أبطال قواتنا المسلحة البواسل على غطرسة الكيان الصهيونى الغاصب المحتل عدونا وعدو أمتنا العربية ، وقد تزامنت رسالة صديقى مع ردود أفعال عاتية جاءت كالريح المرسلة من شباب مصر ردا على تصريحات وزير المالية الإسرائيلي ” بتسلئيل سموتريتش” أحد أبرز وجوه أقصى اليمين المتطرف ، وزعيم ” الحزب الدينى القومى ـ الصهيونية الدينية ” التى تحمل فى طياتها تهديدا بشأن سيناء .

وجاءت ردود الأفعال فى صورة عارمة من الغضب والرفض القاطع على المستويين الشعبي والإعلامي ، وأقل ماجاء فيها ” إن هذا الشعب ليس كمثل باقى الشعوب ” ، ووصفوا مصر بأنها ” أرض حرام ” على غير المصريين وشددوا على أن السيادة المصرية على أرض سيناء لاتقبل المساومة ، ووصفت تصريحات الوزير ب” المراهقة السياسية ” وتهديداته ب” الدعاية السياسية الجوفاء ” من أجل كسب أصوات اليمين المتطرف فى إسرائيل ، وعلى الطريق جاء الرد الشعبى يذكر قادة إسرائيل بالهزيمة التى لحقت بهم فى عام 1973م .

يأتى هذا فى الوقت الذى تناقلت فيه وسائل إعلام عربية سيل عارم من تهكم شباب مصر فى زمن الـAI برسائل مصنوعة بالذكاء الاصطناعى تحمل فى طياتها تهكما بإسرائيل وماوراء إسرائيل كما دأب الزعيم الراحل ” جمال عبدالناصر ” .

وقد ذكرتنى تلك المواقف بالصور التى تداولتها وسائل التواصل الاجتماعى للأسرى الاسرائليين فى لقطه لم ولن تنمح من ذاكرة التاريخ عندما عادوا ب” البيجاما الكستور ” بأوامر من الرئيس السادات ، وماتحمله هذه اللقطة من أبعاد رمزية ونفسية دقيقة صُممت لتبقى محفورة في الذاكرة التاريخية ، وقد اعتبر البعض ارتداء الجنود الإسـ ـرائيليين البيجامة الكستور رمزًا للإذلال ، ولما كانت ” البيجامه الكستور ” تشبه الملابس التى كان يرتديها المعتقلون في معسكرات القرن الماضي فهى صفعة معنوية قاسية للمجتمع الإسرائيلي . وجاءت ذروة الكواليس في المشهد الذي استقبلت فيه ” جولدا مائير ” رئيسة وزراء إسرائيلية آنذاك ، أسرى جيشها بالدموع والحسرة وهم يرتدون هذه البيجامات المصرية البسيطة عند تسليمهم عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر . وتلك أيضا لقطة أخرى لن يمحوها التاريخ !! ..

ومع نسائم إنتصارات أكتوبر المجيدة عام 1973م ، وتزامنا مع الذكرى الـ 53 للنصر العظيم أعتقد أنه ليس هناك أسرة مصرية واحدة لم تقدم شهيدا ضحى بروحة من أجل الوطن ، أو مصابا أو جنديا فى ميدان القتال ، ولايمكن أن ننسى وقوف الشعب المصري بأكمله خلف جيشه ، فى صورة هى أصدق تعبير عن التلاحم بين الشعب والجيش ، إضافة إلى تحمله للتبعات الإقتصادية والإجتماعية لتلك الحرب بإيمان وعزيمة وصبر وجلد . ولايفوتنى فى هذا المقام أن أترحم على أخى البطل نورالدين وكان مجندا ضمن قوات الدفاع الجوى وهو فى الـ عشرين من عمره ، وحصل خلال فترة تجنيدة على دورات متخصصة أهلته لـ يكون قارىء شاشة رادار وموجه أرضى فى محطات الرادار B.11 ؛ وكانت له إسهاماته الفعاله خلال فترة الاشتباك ، ولن أنسى اللواء أحمد كمال المنصورى أو ” الطيار المجنون ” كما أطلقت عليه إسرائيل عندما قال لى ” كانت روحى فى إيده ” !! .

أما المقاتل البطل ” عمر يس ” توأم أخى وصديقه كان أحد أبطال “معركة كبريت” والحصار الذى إستمر لـ أكثر من الـ 130 يوما ومحاولات إسرائيل المستميته لـ إستعادة تلك النقطة الحصينة بلا جدوى ، ويكفى أن أشير إلى أن عمر يس وصديق له يدعى ” فتح الباب ” من أسوان كما حكى لنا ، كانا أصحاب فكرة تقطير المياة لتكون سببا لحياة من تبقى منهم فى الأسر !!

وبينما أقلب صفحات ذلك النصر العظيم ظهرت لى صورة ” أسد سيناء ” العريف الشهيد البطل سيد زكريا خليل إبن نجع الخضرات بقرية البياضية بالأقصر الذى عَد ضمن المفقودين خلال الحرب ، ولكن إرادة الله شاءت أن لاتطوى صفحته ، وأن تحكى بطولته للأجيال ، عندما قام جندى إسرائيلى سابق فى عام 1995م بالتواصل مع السفارة المصرية فى ألمانيا ، وسلم السفير المصري متعلقات البطل المصري سيد زكريا خليل التى ظل محتفظا بها لشجاعته ، وحكى عن بطولاته بعدما هبطت مجموعته في الخطوط الأمامية لزراعة ألغام مضادة للدبابات ، وبعد أن إشتبكت المجموعه مع بعض القوات الإسرائيلية ، وقاتلت حتى آخر جندى ، كان سيد هو أخر جندي تبقى منهم ، ورغم ذلك لم يستسلم !!

وقاتل وحدة سرية كوماندوز إسرائيلية ، مسلحا ببندقية آلية وخزنتين رصاص لا أكثر ، وتمكن من إبادة السرية ثم تسلل تحت جنح الظلام عائدا لخطوط القوات المصرية ، ولكن الجندى الذى إحتفظ بمتعلقاته الشخصية كان قد بقي على قيد الحياة مختبئا داخل حفرته ، فما كان منه إلا أن ترصد له وقنصه من ظهره في مقتل ، ليسقط شهيدا ، ويقول : إن ما رآه من براعة هذا البطل وشجاعته جعلاه يؤدي له التحية العسكرية ويطلق 21 رصاصة تحية له .

كانوا رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ ، وتلك معجزة أخرى من معجزات أبطالنا فى خط بارليف للشهيد البطل ” سيد أبو القمصان ” أحد أبطال حرب أكتوبر المجيدة عام 1973م الذى حمل مدفعا يوزن 130 كيلو جرام صاعداً به على المرتفعات والساتر الترابي لخط بارليف ، والذي قيل تشبيهًا لـ ارتفاعه وصعوبته أنه بارتفاع مبنى يصل إلى 7 أدوار ، فى صورة عكست البطولة وقدرة المقاتل المصري على قهر المستحيل وصعاب الطبيعة والتحصينات العسكرية الإسرائيلية لـ إيصال سلاحه إلى مواقع النيران ودعم القوات المتقدمة .

دعونا نترحم على شهداء لنا فى كل الحروب التى خاضتها مصر فى تاريخها الحديث منذ عام 1948 مرورا بأعوام 56 و 67 و73 وما تلاها من حرب على الإرهاب ، على من ضحوا بأرواحهم من أجل أن نعيش ، وبفضل تضحياتهم وبطولاتهم النابعة من عقيده المقاتبل المصرى الراسخة على مر التاريخ ” إما النصر أو الشهادة ” ودائما وأبدا نقول : َومَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ” ، تحية إجلال وتقدير وإحترام لهؤلاء الشهداء الذين سطروا بدمائهم أسمى معانى التضحية والفداء ، والسجلات العسكرية تزخر بأسمائهم وملاحمهم البطولية وقصص استشهادهم ، وتحكى القصص والروايات عن دمائهم الذكية التى إرتوت منها سيناء الحبيبة !! ودائما وأبدا ” تحيا .. مصر “

Pin It on Pinterest