جيهان عبد الرحمن تكتب الهدف.. ذعر وهمي

جيهان عبد الرحمن
جيهان عبد الرحمن

على مسئولية القناة 12 العبرية، نُقل خبر اعتراض إيال زامير، رئيس الأركان الإسرائيلي، على أوامر بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، باعتبار أن مثل هذه الأوامر، بحسب ما نُسب إليه، تصدر في إطار دعاية انتخابية لنتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، وليس استنادًا إلى اعتبارات عسكرية أو أمنية.

وسواء كانت هذه الأخبار تدخل في إطار الخداع الاستراتيجي والتمويه، بما قد يوحي بقرب توجيه ضربة عسكرية لإيران، أو كانت بالفعل جزءًا من الدعاية الانتخابية، خاصة في ظل الغضب من سياسات نتنياهو واليمين المتطرف وتصاعد الاحتجاجات هناك، فإن الأمر يتجاوز شخص نتنياهو وسياساته؛ فالمناورات وخطط الخداع لا تنتهي، سواء في الحروب أو الانتخابات.

وهكذا تبقي الروايات المتداولة موضع خلاف، ولا تتوافر معلومات معلنة تحسم طبيعة التوجيه العسكري أو تفاصيله، وسواء كانت هذه الأنباء تعكس خلافا حقيقيا أم تدخل في سياق المناورات السياسية وتبادل الرسائل، فأنها تفتح الباب أمام سؤال جوهري..هل يمكن أن يتحول التهديد العسكري إلي أداة في معركة انتخابية، وأن يصبح إثارة المخاوف جزءا من إدارة الصراع علي السلطة؟ المناورات لا تنتهي عند حدود ميادين القتال بل تمتد أحيانا إلي المجال السياسي حين تتداخل الحقائق ويصبح القدرة علي إثارة القلق سلاحا في حد ذاته.

وما أشبه اليوم بالبارحة!

ففي الأسبوع الثالث من حرب أكتوبر 1973، تحديدا يوم 24 أكتوبر، تحركت، ثلاثون طائرة نقل سوفيتية من طراز «أنطونوف» من مطار عسكري جنوب يوغوسلافيا، في إيحاء بأنها في طريقها إلى الشرق الأوسط للمشاركة في الحرب. مما أثار المخاوف والأمريكية و أصدر الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون تعليماته بإعلان حالة التأهب للقوات المسلحة الأمريكية، وفُتحت مخازن الطوارئ، وزُوّدت القوات بالذخيرة والعتاد، كما تأهب الأسطول الجوي المزود بالأسلحة النووية، وبات العالم وكأنه على موعد مع مواجهة عسكرية بين القوتين العظمتين، بل مع احتمال اندلاع حرب عالمية ثالثة، ودُعي نيكسون إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي.

لكن جاء يوم 25 أكتوبر ومرّ دون أن تقع المواجهة المتوقعة، وتذهب الرواية إلى أن ما جرى لم يتجاوز المناورة واستعراض العضلات، وأن الهدف كان إثارة «ذعر وهمي»، وهو التعبير الذي يُنسب إلى مؤلفي كتاب «التقصير». كانت إسرائيل وقتها في موقف بالغ الحرج، بعدما هددت حرب أكتوبر وجودها في الصميم، وباتت معزولة في الساحة الدولية، وأكثر اعتمادًا على الدعم الأمريكي.

خطط الخداع وإخفاء بعض الحقائق وسائل معروفة في علم السياسة، ولا تقل أهميتها عن السلاح في ميادين القتال. فبعد انهيار خط بارليف، بدا أن هناك انهيارًا آخر يضرب الحسابات السياسية الإسرائيلية؛ إذ وُصفت حالة الإفلاس السياسي للحكومة هناك وقتها بأنها ساحقة ومطلقة ومأساوية.

وحتى بعد محادثات وقف إطلاق النار في 20 أكتوبر، وتلقي حكومة إسرائيل تعليمات نيكسون بوقف القتال طبقًا للقرار 338، طلبت جولدا مائير معرفة ما إذا كان قد جرى الاتفاق على بنود سرية. فأجابها كيسنجر بالنفي، مؤكدًا أن ما تراه أمام عينيها هو كل شيء.

لكن ما تكشف لاحقًا، أن ثمة تفاهمات لم تكن جولدا مائير علي علم بها.

هذه الواقعة، تطرح سؤالًا حول ما أُعلن وما ظل بعيدًا عن طاولة المفاوضات؛ فخلال محادثات كسينجر في موسكو، كانت هناك تفاهمات بشأن عقد مؤتمر سلام، ومسار محتمل للانسحاب الإسرائيلي من سيناء على مراحل، وهي تفاصيل لم يعرضها كيسنجر، بحسب الرواية، على وزراء الحكومة الإسرائيلية بالصورة ذاتها.

وما بين ما يُقال وما يُخفى، وما يُعلن وما يُراد له أن يُفهم، تظل السياسة ساحة مفتوحة للمناورات، وقد لا يكون الهدف دائمًا خوض الحرب، بل دفع الخصم إلى حسابها، وإرباك قراراته، وربما إخضاعه للخوف قبل أن تبدأ المعركة.

فهل ما نشهده اليوم تمهيد لمواجهة عسكرية، أم أن الذعر نفسه أصبح جزءًا من المعركة؟

Pin It on Pinterest