الإعلامي محمود عبد السلام يكتب : هنا ماسبيرو.. قراءة فى مستقبل الاعلام المصرى

كلما سمح الوقت، واتسعت لي فسحة من العمر، أجد قدمي تقودني -دون وعي- إلى بيتي الكبير، مبنى الإذاعة والتلفزيون على ضفاف النيل. هناك تنتابني سعادة غامرة، سعادة العائد إلى حضن أمه بعد طول غياب.
نعم، ملامح الشيخوخة الجسدية دبّت في أوصال هذا المبنى العتيق الرابض كحارس أمين على النيل، تشهد جدرانه على عقود من المجد، وتئن دهاليزه من ثقل السنوات. لكن العجب كل العجب، أنك ما إن تدخل من بابه، حتى تكتشف أن الجسد قد يشيخ، لكن الروح لا تشيخ أبداً. فالعقول البشرية العاملة في الداخل ما زالت فتية، متقدة بالحيوية والنشاط، قادرة على الإبداع وكأن الزمن لم يمر.
وقد تشرفتُ مؤخراً بدعوة كريمة من الكاتبة الصحفية البارعة ولاء شعراوي، وهي اسم له وزنه وثقله في ميادين الصحافة والتلفزيون، وقلم يعرف كيف يصطاد الفكرة من عمقها. دعتني لأكون ضيفاً على برنامج “هنا ماسبيرو”.
ولهذا البرنامج تحديداً مكانة خاصة في قلبي. ليس لأنه مجرد برنامج، بل لأن القائمين عليه إخراجاً وإعداداً وتقديماً هم من افضل ما في التلفزيون المصري من إخلاص وموهبة. هم أبناء المبنى الأصلاء الذين يحملون همه على أكتافهم.
وللحق، تخوفتُ حين عرفت موضوع الحلقة: “مستقبل الإعلام المصري ودور ماسبيرو في تطويره”. هو موضوع كبير، بحجم الوطن، وشائك بحجم التحديات. ورغم أنني واحد من أبناء هذا المبنى وكنت أحد قياداته، إلا أن الجلوس أمام الكاميرا شيء آخر تماماً. الكاميرا لا تجامل، والكلمة على الهواء كالرصاصة لا تعود.
زاد من رهبتي أن الحوار سيكون مع إعداد قوي ومحكم، ومع مذيعة قديرة تمتلك موهبة نادرة في سبر أغوار الحوار، وتحويل السؤال العابر إلى فكرة عميقة
لكن ما إن وطأت قدماي الاستوديو، حتى تبدد كل خوف. كان الاستقبال طيباً كأهل البيت، والحوار بنّاءً كحديث العائلة الواحدة. وعلى مدار أربعين دقيقة، لا أقول تحدثنا، بل تحاورنا، وتشاكسنا فكرياً، وحلمنا معاً، حتى وصلنا إلى مراد الحوار وغايته.
فماذا قلنا في خلاصة الأربعين دقيقة؟
قلنا إن ماسبيرو ليس مبنى يجب أن ننقذه، بل هو ذاكرة يجب أن نستعيدها. إنه الأرشيف الذي يملك حكاية مصر كلها، صوتاً وصورة، ولا يملكه غيره.
وقلنا إن أزمة الإعلام المصري ليست أزمة موهبة، فالموهبة تسكن كل طابق في ماسبيرو، بل هي أزمة مواكبة. العالم انتقل من إعلام المعلومة إلى إعلام التأثير، ونحن ما زلنا في كثير من الأحيان ننقل الخبر الذي وصل للناس قبلنا بساعات على هواتفهم.
ومن هنا، فإنني أخلص إلى نتائج وتوصيات أضعها أمام ضمير كل محب لهذا المبنى
أولاً: استعادة الثقة لا استجداء المشاهدة: المشاهد لن يعود بالشعارات، بل بالصدق. نحتاج إلى مساحة أكبر من التوازن والرأي والرأي الآخر في إطار المصلحة الوطنية. عندما يرى الناس أنفسهم في الشاشة، سيعودون إليها.
ثانياً: من الأرشيف إلى الكنز الرقمي: ماسبيرو ينام على كنز من ذهب، هو أرشيفه. يجب أن يتحول هذا الأرشيف إلى أكبر منصة رقمية وثائقية في الشرق الأوسط، تُقدم المحتوى القصير والمؤثر لجيل لا يشاهد التلفزيون بل يشاهد الهاتف.
ثالثاً: الاستثمار في ابن ماسبيرو: لا تستوردوا نجوماً من الخارج بينما النجوم الحقيقيون يجلسون في مكاتبهم ينتظرون الفرصة. افتحوا الباب لشباب ماسبيرو، دربوهم على أدوات العصر، أعطوهم كاميرا ومونتاج وفكرة، وسترون العجب.
رابعاً: التخصص هو الحل: لم يعد زمن القناة العامة التي تقدم كل شيء. نحتاج إلى قناة وثائقية قوية، وقناة أطفال تنافس، وقناة دراما تعيد أمجاد الإنتاج المصري، وكلها تنطلق من رحم ماسبيرو.
وفي الختام، وإذا لم يكُ لحوارنا فائدة ترجى، فيكفينا شرفاً أننا حثثنا المجتمع على التفكير في مستقبل إعلامه.
ولا يفوتني أن أتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى فريق عمل “هنا ماسبيرو” الذي غمرني بكرمه، وعلى رأسهم رئيس التحرير الكاتبة الصحفية القديرة ولاء شعراوي، والمذيعة المتميزة عبير عبد الوهاب التي أدارت الحوار بمهارة المحترف وقلب المحب للاعلام المصرى، والبرديوسر القدير صاحب الخبرة احمد كشرى، ولكل جنود العمل خلف الكاميرات، الذين يثبتون كل يوم أن ماسبيرو حيّ لا يموت.

