“من قتل الأسد؟ ” .. قصة قصيرة للإعلامي محمود عبد السلام 

الإعلامي محمود عبد السلام
الإعلامي محمود عبد السلام

لم يكن قراره نزوة عابرة، ولا هذيان شيخ أدركه الخرف. كان نذراً قطعه على نفسه في ليلة شتاء طويلة، حين أدرك أن العالم خارج الأسوار لم يعد يصلح لسكنى البشر. فقرر أن يقضي بقية عمره في حديقة الحيوان.

كان ذلك منذ عدة أعوام، حين تذكر فجأة أن يأخذ أولاده إلى حديقة الحيوان. حاولت زوجته أن تثنيه عن هذه الفسحة التي لم تعد تناسب عمر أبنائهم، لكنه أصر وأبدى غضباً شديداً.
جمعهم في يوم جمعة وتوجه بهم إلى هناك. على باب الحديقة منح كل واحد منهم عشرة جنيهات، وطلب منهم أن يتفرقوا بعد الدخول، على أن يتجمعوا في نهاية اليوم عند نفس المكان، بعد أن يدونوا انطباعاتهم عن كل طائر أو حيوان يشاهدوه، ويختار لنفسه حيواناً يشبهه.

انطلقوا جميعاً متفرقين.
أما هو فتوجه ناحية قفص الأسد. شق طريقه بين الجمهرة حتى لم يعد يفصله عن القضبان التي تحول بينه وبين الأسد إلا أنفاس قليلة.

وقف طويلاً. وفي عيني الأسد رأى انعكاس قفص أكبر.. قفص اسمه الحياة ..
ألسنا جميعاً حيوانات محبوسة؟ الفرق أنهم وضعوا لنا وظائف بدل القضبان، ورواتب بدل الطعام.

نهار بعد نهار.. أيام، شهور، سنين. باع بيته. طلق زوجته بهدوء. قطع كل صلاته بالبشر وصار يأتي كل فجر، يجلس على نفس المقعد الخشبي المقابل لقفص الأسد حتى الغروب.

تحدث إليه. شكا له. استشاره. تعلم لغة زئيره كما يتعلم الطفل لغة أمه.كان يقول لنفسه :الأسد لا يكذب، لا ينافق، لا يبتسم في وجهك وفي يده سكين. إنه صادق في جوعه، صادق في غضبه. أما نحن فما أقبحنا حين نجوع ولا نعوي.
ظنه الحراس مجنوناً عجوزاً. والتقط له الزوار الصور باعتباره “الرجل الذي يحب الأسد”.
لكنه لم يكن يزور الأسد.. كان يتدرب ليصبح مثله.
حفظ مواعيد الإطعام. حفظ خطوات الحارس. حفظ الزاوية العمياء للكاميرا. صار جزءاً من الديكور، كالشجرة وكالحجر.
قال الحارس :
اسمي سيد. وأنا الحارس الليلي منذ عشرين عاماً.

كنت أراه كل يوم. صامتاً. لا يطلب شيئاً.
وفي مرة سألته: “لماذا لا تمل يا حاج؟”
فأجابني دون أن يلتفت: “لأنني وجدت أخيراً من يفهمني دون أن يطلب مني أن أتغير.”

في ليلة البرد تلك.. أقسم أني لم أتعمد. يدي ارتعشت والمفتاح وقع. والباب.. الباب ظل موارباً.
سمعت زئيراً واحداً فقط. لم يكن زئير هجوم ..كان زئير وداع.
ومن يومها وأنا أسأل نفسي كل ليلة: هل أنا من فتح الباب؟ أم أنا من قتل الأسد؟

ثم قال الاسد:جاءني هذا الكائن كل يوم لا يرمي طعاماً، ولا يضرب القضبان. كان فقط ينظر ، وفي عينيه رأيت نفس القضبان التي في عيني.

وحين دخل أخيراً، لم أشم رائحة خوف. شممت رائحة شبه
لم يأت ليأكلني ولا ليطعمني.
جلس على الأرض، وأطلق زئيراً. فرددته له.
وفي تلك اللحظة لم يعد هناك سجان ولا سجين، لا إنسان ولا وحش.
كان هناك كائنان فقط.. اختارا نفس القفص.

وفي الصباح وجدوهما.
الرجل العجوز نائماً بسلام إلى جوار الأسد. وكلاهما ساكن.

هرعت الإدارة. جاءت الشرطة. جاءت الصحافة.
ولم يسأل أحد: كيف مات الرجل؟
بل سألوا جميعاً بهلع وهم يشيرون إلى القفص المفتوح:
من قتل الأسد؟

ولم يجب أحد.
لأن الإجابة كانت معلقة على الجدار خلفهم، بخط يده:
الحرية ليست أن تخرج من القفص.. الحرية أن تختار من يشارك إياه.

Pin It on Pinterest