عصام عمران

عصام عمران

للحديث عن نصر أكتوبر المجيد نحتاج إلى كتب ومجلدات،  ولم لا وهى المعركة أو قل الملحمة التى غيرت الكثير والكثير من استراتيجيات المعارك والحروب العسكرية ولا تزال تفاصيلها تدرس في كبريات الأكاديميات العسكرية بمختلف دول العالم المتقدم منها قبل النامى حتى الآن رغم مرور ٥٣ عاما على اندلاعها .
نفس الحال يتطبق على أبطال هذا النصر العظيم سواء الذين خططوا أو قادوا أو نفذوا هذه الحرب البطولية وقهروا المستحيل، بدءًا من الرئيس الراحل أنور السادات مرورا بالقادة والضباط العظام وصولًا إلى أبطالنا من الجنود والأفراد البواسل ومعهم الشعب المصري العظيم الذي ساند ووقف خلف أبطاله حتى تحقق النصر وتحررت الأرض  .
وكما ذكرت في البداية فإن الحديث عن نصر أكتوبر المجيد وأيطاله البواسل يحتاج إلى كتب ومجلدات ، ولكنني سوف أقف اليوم ومن خلال تلك السطور للحديث عن واحد من أهم هؤلاء الأبطال الذى أرى أن رؤيته ونظرته الثاقبة كانت بمثابة مفتاح هذا النصر العظيم  .
حديثنا اليوم عن البطل الذي كان له الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في حسم المعركة قبل أن تبدأ وهو اللواء أركان حرب صلاح فهمي نحلة رئيس فرع التخطيط الاستراتيجي بهيئة عمليات القوات المسلحة والذي قام بتحديد يوم وساعة العبور والذي أبهر الجميع بدقة المعايير التي استند عليها في اختياره ورغم ذلك للأسف الشديد لا تعرف الغالبية العظمى عنه شئ كما هو المعتاد !! .
عملية اختيار يوم وساعة العبور كانت أشبه بالمعجزة لدقة اختيارها وموعد بدءها وساعة اندلاعها ولم يكن اختيار وتحديد موعد حرب أكتوبر من جانب الرئيس السادات أو وزير الحربية أو حتى رئيس الأركان أو رئيس هيئة العمليات ولكن كان ذلك الاختيار الإعجازي من جانب رئيس فرع التخطيط الاستراتيجي بهيئة عمليات القوات المسلحة اللواء صلاح فهمي نحلة والذي كان برتبة عقيد آنذاك و بتكليف من اللواء آنذاك محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة قام العقيد صلاح فهمي نحلة بتحديد يوم وساعة العبور وهو أمر ليس باليسير بل في غاية الصعوبة والتعقيد بعد أن عكف على دراسة الأعياد والعطلات في اسرائيل بجانب دراسة الجوانب العسكرية والفلكية والجوية والبحرية والجغرافية لمعرفة مواعيد الشروق والغروب وساعات الليل والنهار وحركة الرياح والمياه واتجاه التيار في قناة السويس كما قام بالاطلاع على الدراسات والتقارير والمعلومات التي توضح الموقف العسكري الإسرائيلي على الجبهة لمعرفة خطط الدفاعات الإسرائيلية وتوقيتات تدخل الإحتياطي وإستدعاء الجيش الإسرائيلي ليقع اختياره في النهاية على يوم السادس من أكتوبر الساعة الثانية ظهرًا بناءً على أسس عِدة  ، لعل أهمها أن السادس من أكتوبر كان موافقًا ليوم العاشر من شهر رمضان فبالتالي استحالة تصور إسرائيل أن الجنود المصريين سوف يقومون بأي هجوم عسكري وهم صائمون.
فى نفس الوقت كان  السادس من أكتوبر موافقا ليوم عيد الغفران عند اليهود وهو إجازة رسمية في إسرائيل و بالتالي ستكون  في حالة سكون وتوقف وأي رد فعل من جانبها سيكون بطيئا وبعد فترة طويلة من الوقت ! .
وجاء اختيار الساعة الثانية ظهرًا لانطلاق المعركة لأنه توقيت لن يتخيل أحد أن القوات المصرية سوف تقوم فيه باتخاذ أي هجوم عسكري في نهار رمضان وكذلك لأن الساعة الثانية ظهرًا ستكون الشمس خلف رؤوس الجنود المصريين وليس أمامهم وأن أول رد فعل من جانب إسرائيل سيكون بعد ست ساعات وبالتالي سيكون الليل قد أقبل وبالتالي فإن إسرائيل ستعجز عن أي رد فعل في الظلام وهو ماحدث بالفعل !! .
قام العقيد” نحلة ” بكتابة الأُسُس والمعايير التي اختار توقيت العبور بناءً عليها في كراسة ابنته حنان وقام بتقديم الكراسة إلى اللواء محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة لتقوم بجمعها وتدقيقها وصياغتها في تقرير استراتيجي متكامل سُمي “كشكول الجمسي” ليقوم اللواء الجمسي بتقديم الكشكول إلى الفريق الشاذلي رئيس الأركان والذي قدمه بدوره إلى الفريق أول أحمد إسماعيل علي وزير الحربية  ليقدمه أخيرًا إلى الرئيس السادات لعرض الأمر عليه ولمعرفة رأيه في اختيار موعد وتوقيت الحرب .
و بالرغم من أن الساعة الثانية ظهرًا كانت الخيار الفني المبتكر في دراسة العقيد صلاح نحلة إلا أن القيادة العامة المصرية فضّلت تعديل الموعد إلى الساعة السادسة مساءً وعند حسم الموعد النهائي مع القيادة السورية رفض الجانب السوري توقيت السادسة مساءً لأن طبيعة جبهة الجولان الجبلية الوعرة تتطلب القتال نهارًا وتمسكوا ببدء الحرب في أول ضوء النهار وهنا احتدم الخلاف العسكري بين الحليفين فتدخل الرئيس السوري حافظ الأسد مقترحًا فكرة إستراتيجية وهي قسمة اليوم إلى نصفين كحل وسط يرضي الجبهتين وأمام هذا المقترح لم يجد الوفدان خيارًا أفضل وأدق من العودة فورًا إلى المقترح والعبقرية العلمية الأصلية التي خطها العقيد صلاح نحلة في دراسته الأولى وهي الساعة الثانية ظهرًا
يذكر أن العقيد صلاح فهمي نحلة هو ايضا صاحب فكرة غلق مضيق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية والتي كانت واحدة من أعظم مفاجآت الحرب التى وقعت على العدو كالصاعقة وأربكت جميع حساباته.
وقد توفي اللواء أركان حرب صلاح فهمي نحلة عام ٢٠١٧  وشيعت جنازته وأقيم عزاؤه في صمت وهدوء بعيدًا عن الصخب والأضواء .

عصام عمران
Omran666@hotmail.com

Pin It on Pinterest