الكاتب الصحفي محمد العزيزي يكتب: التعليم لمن يملك المال!

الكاتب الصحفي محمد العزيزي
منذ بدأ زمن الانفتاح الاقتصادي بعد حرب أكتوبر المجيدة أخذ الهرم الاجتماعي ينقلب رويدًا رويدًا حتى صارت قاعدته أعلى وقمته في أسفل، ووجدنا أنفسنا أمام واقع مؤلم فيه من يملك المال لا يقرأ، ومن يريد القراءة لا يمتلك المال!
ولم يكن التعليم بعيدًا عن هذه التحولات فقد أصاب منظومته مرض فرط الحركة من كثرة التغيير والتبديل وإنتاج أنماط تعليم جديدة تتفق مع حركة رأس المال وتوسعها، وبدلًا من أن يظل التعليم إحدى أهم أدوات الحراك الاجتماعي بدأ المال يجد لنفسه طرقًا ومسالك ومساحات داخله وأصبح الحصول على الشهادة في بعض المسارات أسهل لمن يملك ثمنها!
القضية ليست في تنوع نظم التعليم بين الحكومي والتجريبي والخاص واللغات والناشيونال والإنترناشيونال فالتنوع ليس عيبًا في ذاته، وقد يكون ضرورة تفرضها احتياجات المجتمع وتطور سوق العمل، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الفارق بين هذه النظم هو في القدرة على الدفع أكثر منه فارقًا في جودة التعليم!
هنا يتحول السؤال من : ماذا تعلم الطالب إلى : كم دفع لكي يتعلم؟
ولعل ما يتردد خلال السنوات الأخيرة عن وقف بعض الدول العربية إرسال طلابها إلى تخصصات معينة في جامعات مصرية ، أو وضع قيود على الالتحاق ببعض التخصصات أو الاعتراف ببعض الشهادات يجب ألا نتعامل معه باعتباره مجرد خلاف إداري بين دول وجامعات ، فهذه الوقائع تطرح سؤالًا أكبر وأخطر: هل تراجع الدول الأخرى مستوى خريجينا أكثر مما نراجع نحن أنفسنا ؟
بعض الدول العربية وضعت شروطًا صارمة على دراسة الطب وطب الأسنان خارج حدودها، وربطت الأمر أحيانًا بمجموع الطالب في الثانوية العامة بما يعني أن اختيار الجامعة وحده لا يكفي وأن مستوى الطالب قبل دخول الجامعة جزء من ضمان جودة الطبيب الذي سيعود إلى بلده ، وهنا يجب أن نتوقف قليلًا ونسأل :
هل المشكلة أن تقبل جامعة طالبًا بمجموع منخفض؟ والإجابة : ليس بالضرورة ، فمجموع الثانوية العامة لا يصنع
وحده طبيبًا ناجحًا وقد يستطيع طالب بدأ حياته الجامعية بمجموع أقل أن يثبت خلال سنوات الدراسة أنه أكثر اجتهادًا
ومهارة ، والنماذج في هذه النقطة كثيرة ،
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا المجموع المنخفض بعد أربع أو خمس سنوات من الدراسة ودفع المصروفات إلى
شهادة تساوي في قيمتها وحقوقها المهنية شهادة طالب دخل كلية الطب بمجموع 95 أو 97%. .
هنا يصبح السؤال مشروعًا: أين ذهب الفارق؟ هل عوضه الطالب بالعلم؟ هل عوضه بالتدريب؟ هل اجتاز اختبارًا مهنيًا
يثبت كفاءته؟ وهل يخضع الجميع لمعيار واحد يضمن أن الطبيب أيًا كانت الجامعة التي تخرج فيها يمتلك الحد الأدنى
الذي يطمئن إليه المريض؟
إذا كانت الإجابة نعم، فلا مشكلة في تعدد طرق الوصول إلى التعليم، وأما إذا كانت الإجابة لا فالمشكلة ليست في
انخفاض مجموع الثانوية وحده وإنما في منظومة تسمح للمال بأن يعوض ما كان ينبغي أن يعوضه العلم والجهد
والكفاءة!
وهنا تصبح قضية الجامعات الخاصة والأهلية أكثر حساسية من مجرد الحديث عن ارتفاع المصروفات فالجامعة التي
تحصل على أموال كبيرة من الطالب ليست مطالبة فقط بمنحه مقعدًا ومبنى ومعملًا وشهادة، وإنما بأن تقدم
للمجتمع إنسانًا قادرًا على أداء المهنة التي يحمل اسمها .
فالطب ليس سلعة استهلاكية، والطبيب ليس مجرد حاصل على مؤهل جامعي، وكذلك الصيدلي وطبيب الأسنان
والمهندس.. هؤلاء يتعاملون مع حياة الناس وأمنهم وسلامتهم، ولذلك لا يمكن أن تصبح قدرة الأسرة على تحمل
المصروفات معيارًا غير مباشر للقبول في تخصصات بهذه الحساسية.
المقال .. لا يعاقب من يملك المال، ولا يحرم أبناء القادرين من التعليم الخاص، لكن من حق المجتمع أن يسأل: ماذا
اشترت المصروفات؟ هل اشترت تعليمًا أفضل أم اشترت فرصة للالتحاق بكلية كان مجموع الثانوية العامة قد أغلق
بابها أمام طالب في مسار آخر؟
هذا هو الفارق بين أن يكون المال وسيلة للحصول على تعليم أفضل، وبين أن يصبح المال بديلًا عن شرط الكفاءة.
ولا يكفي هنا أن نقول إن الجامعة معتمدة فالاعتماد يثبت استيفاء المؤسسة لشروط معينة، لكنه لا ينبغي أن يصبح
جواز مرور تلقائيً لكل خريج إلى المهنة
ربما نحتاج إلى إعادة التفكير في العلاقة بين المؤهل الأكاديمي وحق ممارسة المهنة، فالجامعة تمنح الشهادة لكن
المجتمع يجب أن يملك معيارًا موحدًا للتأكد من كفاءة صاحبها.
ليس الهدف أن نغلق أبواب التعليم أمام من لم يحالفهم الحظ في الثانوية العامة ولا أن تتحول نتيجة امتحان في سن
الثامنة عشرة إلى حكم أبدي على مستقبل الإنسان.. الهدف أن نعوض الفارق بالاجتهاد والعلم والتدريب، لا بالمال
وحده.
فإذا كان الطالب قد دخل كلية الطب بمجموع أقل فليثبت خلال سنوات الدراسة أنه يستحق أن يكون طبيبًا ، وإذا دفع
مئات الآلاف في مصروفات الجامعة فليدفعها مقابل تعليم حقيقي لا مقابل شهادة تساوي شهادة من تفوق عليه في
بداية الطريق.
لقد كان التعليم إحدى أهم أدوات العدالة الاجتماعية ابن الفقير يستطيع أن يصعد بالعلم وابن الغني يستطيع أن
يتعلم أكثر إذا أراد.. لكن لا ينبغي أن يصبح المال نفسه معيارًا للكفاءة.
وحين تضع دولة عربية قيودًا على دراسة بعض تخصصاتنا أو الاعتراف ببعض الشهادات الصادرة عن جامعاتنا، فإن أسوأ
ما يمكن أن نفعله هو الدفاع عن كل جامعة لمجرد أنها جامعة مصرية، فسمعة التعليم المصري لم يصنعها مبنى
جامعي ولا حجم المصروفات، وإنما صنعها عبر عقود خريجون ذهبوا إلى كل مكان وحملوا معهم علمًا ومهارة واسمًا
له وزنه ولذلك فإن القضية ليست جامعة خاصة أو حكومية، وليست طالبًا غنيًا أو فقيرًا.
القضية هي: هل ما زال التعليم طريقًا إلى الكفاءة، أم بدأ يتحول في بعض مساراته إلى طريق مختصر لمن يملك
ثمن الشهادة؟
إذا كان المال يستطيع أن يفتح باب الجامعة، فمن يضمن ألا يستطيع أن يفتح معه باب المهنة؟
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.