الكاتب الصحفي عصام عمران يكتب : مصر والصين .. نحو عالم متعدد الاقطاب !!

الكاتب الصحفي عصام عمران
زرت الصين مرتين في مطلع الألفية الجديدة أولاهما كانت إلى شنغهاي التي تعد العاصمة الصناعية أو التكنولوجية لهذا البلد العملاق، والثانية كانت للعاصمة بكين  ، ولفت نظرى منذ اللحظة الأولى لوصولنا إلى الأراضي الصينية كم الحب والتقدير الذى يكنه الصينيون حكومة وشعبا لمصر باعتبار القاهرة كانت أول عاصمة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية قبل ٧٠ عاما وهو ما جعل البلدين العظيمين ينظران إلى هذا التاريخ كبداية حقيقية للعلاقات القوية بينهما  .
أقول ذلك بمناسبة الزيارة المهمة للرئيس الصينى الى مصر و لقائه الرئيس عبد الفتاح السيسى، وهو حدث لو تعلمون عظيم خاصة أن الزيارة تأتي فى وقت بالغ الأهمية على المستويين الإقليمى والدولى  .
فوفقا للخبراء والمحللين الاستراتيجيين فإن الإعلان الرسمى والمشترك الصادر عن رئاسة الجمهورية المصرية ووزارة الخارجية الصينية حول زيارة الرئيس الصينى ‘شي جين بينج’ إلى القاهرة – والتى تأتى تتويجاً لمرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية وأول زيارة له إلى مصر منذ عام 2016 عقب مشاركته فى قمة منظمة شنغهاى للتعاون فى بيشكيك – لا يمكن التعامل معه بوصفه تقارباً تقليدياً بل هو زلزال جيوسياسى واستراتيجى يطيح بأسطورة القطب الواحد ويعيد هندسة الخريطة الدولية من جذورها .
فحين يتحرك رأس الهرم فى بكين ليحط رحاله فى القاهرة فهذا إقرار صريح بأن مصر هى “كلمة السر” ورمانة الميزان فى معادلات الأمن القومى الإقليمى والدولى ، وكذلك فإن طهران وبكين تدركان جيداً أن الجغرافيا السياسية المصرية تسيطر على مفاتيح التجارة والطاقة العالمية ، وأن القاهرة تمثل البوابة الملكية الاستراتيجية الأبرز لمبادرة «الحزام والطريق» فى إفريقيا والشرق الأوسط ، ومن هذا المنطلق فإن التقارير الاستخباراتية العالمية ترصد بقلق بالغ قفزات التبادل التجارى وتوسع الاستثمارات الصناعية والتكنولوجية الصينية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بما فى ذلك عمالقة التكنولوجيا وصناديق الذكاء الاصطناعى وأشباه الموصلات مما يجعل من مصر القاعدة الصلبة التى تستند إليها القوى الشرقية لكسر الاحتكار الغربى الأحادي.
الخبراء يؤكدون أهمية البعد العسكرى والردعى لهذه الزيارة التي من المتوقع أن تشهد ابرام صفقة القرن الجوية – حسب تعبيرهم – خاصة في ظل التزامن الدقيق للزيارة مع فعاليات التدريب والمناورات الجوية المشتركة مثل التدريب الجوى المشترك “نسور الحضارة” ،وزيارات الوفود العسكرية رفيعة المستوى بين قيادات القوات الجوية للبلدين يفتح باب التكهنات والتوقعات  .
وفى هذا الإطار فإن السؤال الأهم ليس فقط: لماذا يزور الرئيس الصيني مصر؟ وإنما: لماذا الصين الآن؟ ولماذا مصر؟ وماذا تعني هذه الزيارة لمستقبل الشراكة بين البلدين؟
وللإجابة على هذا السؤال المهم يمكننا القول أن مرور سبعين عاماً صنعت قاعدة صلبة للتعاون بين البلدين فالعلاقات المصرية الصينية ليست وليدة اللحظة ،وخلال العقود السبعة الماضية حافظ البلدان على قدر كبير من الاستقلالية في القرار والاحترام المتبادل، رغم التحولات الكبرى التي شهدها النظام الدولي.
وفي عام 2014 ارتقت العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، ثم توسعت بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة لتشمل الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والتعليم والتدريب والتصنيع. ومن ثم فإن زيارة” شي جين بينج” لا تبدأ علاقة جديدة، وإنما تأتي لتمنح علاقة قائمة بالفعل دفعة قوية ونقلة نوعية محتملة.
الصين اليوم ليست مجرد دولة تبحث عن أسواق لمنتجاتها، إنها قوة اقتصادية وتكنولوجية وصناعية كبرى، تبحث عن مواقع استراتيجية لسلاسل الإمداد والأسواق الجديدة وممرات التجارة العالمية. وفي المقابل، تحتاج مصر إلى توسيع قاعدة الاستثمار الأجنبي المباشر، وتعميق التصنيع المحلي، وزيادة الصادرات، ونقل التكنولوجيا، وتوفير فرص عمل، وتعظيم الاستفادة من موقعها الجغرافي الفريد.
وهنا تظهر نقطة الالتقاء ، الصين تحتاج إلى مصر، ومصر تحتاج إلى الصين، ولكن المطلوب أن تتحول هذه الحاجة المتبادلة إلى شراكة تحقق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المصري.
فمصر تمتلك قناة السويس، والمنطقة الاقتصادية للقناة ، والموانئ، والسوق المحلية الكبيرة، والامتداد العربي والأفريقي، وموقعًا يمكن أن يجعلها قاعدة إنتاج وتصدير ،فى حين تمتلك الصين رأس المال والخبرة الصناعية والتكنولوجيا وسلاسل الإنتاج والخبرة في تنفيذ المشروعات الكبرى وهو ما يمكن أن ينتقل بالعلاقة من “الصناعة الصينية في مصر” إلى “الإنتاج المصري بالشراكة مع الصين من أجل مصر وأفريقيا والعالم”.
عمليا حققت الشراكة المصرية الصينية خلال السنوات الماضية نتائج ملموسة في عدد من المجالات ، فالمشروعات الصينية أصبحت حاضرة في البنية الأساسية والعاصمة الإدارية الجديدة، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والطاقة، والنقل، والصناعة، والاتصالات وغيرها.
وفي أغسطس الماضى أكدت الحكومة المصرية أن الاستثمارات الصينية في مصر تجاوزت 10 مليارات دولار، مع وجود فرص جديدة في الصناعة والطاقة والنقل والتكنولوجيا والتعدين وتحلية المياه والاتصالات والصناعات الهندسية والزراعة ، وكذلك أصبحت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس واحدة من أهم نقاط التقاء المصالح المصرية والصينية. وتضم المنطقة الصناعية الصينية “تيدا مصر” وغيرها من المشروعات الصناعية التي تستهدف الإنتاج والتصدير، بينما جذبت المنطقة خلال السنوات الأخيرة استثمارات صينية كبيرة في قطاعات متعددة.
ومع ذلك فإن القيمة الحقيقية للصين بالنسبة لمصر لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد المشروعات أو حجم الاستثمارات ، فالقيمة الأكبر يجب أن تكون في نقل المعرفة، وتوطين الصناعة، وخلق سلاسل إنتاج محلية، وزيادة المكون المصري، وفتح الأسواق أمام المنتج المصري. وهنا تبدو المرحلة المقبلة أمام فرصة أكثر طموحاً فى طبيعة التعاون ومخرجاته ، فهناك مجالات عديدة يمكن أن تمثل الجيل الجديد من التعاون المصري الصيني، في مقدمتها الصناعة والتصنيع المشترك، بحيث تتحول مصر إلى قاعدة إنتاج للمنتجات الصينية الموجهة إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.