كل عام في ذكرى المولد النبوي نعيد سرد القصة. لكن السيرة ليست أرشيف أحداث. السيرة سؤال حي: كيف يتحول إنسان إلى نقطة مفصلية في تاريخ البشر؟
في كتابه “عبقرية محمد” لم يرد عباس محمود العقاد أن يكرر ما كتبته كتب السيرة منذ القرن الأول. سؤاله كان أعمق: ما التركيبة النفسية والفكرية التي صنعت هذا الأثر الذي لم ينطفئ بعد 14 قرنًا؟
العقاد لم يكتب سيرة تقليدية. هو ضمن “العبقريات” وضع محمدًا صلى الله عليه وسلم في وسط البشر. لا يهمه فقط “ماذا حدث في غار حراء أو بدر أو الحديبية”، بل “بأي أدوات إنسانية حدث؟”.
هنا انتقل من التأريخ إلى الفلسفة. سأل عن العلاقة بين العبقرية والسياق: عالم جاهلي ممزق قبليًا ودينيًا وسياسيًا، فجاءت شخصية جمعت المتناقضات وحولتها إلى بناء.
العقاد يقول ضمنيًا: العبقرية ليست معجزة خارج المنطق. هي قدرة نادرة على قراءة الواقع وتحويله. وهذا يقربنا من مفهوم الفيلسوف الألماني هيجل عن “الروح العالمي” الذي يتجسد في أفراد يصنعون التاريخ.
أهم إضافة في الكتاب أنه فك الصورة الأحادية. محمد عند العقاد ليس الداعية فقط ولا القائد العسكري فقط.
هو مجموع أدوار متداخلة
الداعي : عبقرية في الوصول للقلوب بلغة بسيطة تلامس الفطرة.
السياسي : عبقرية في تأسيس دولة من قبائل متناحرة عبر صحيفة المدينة أول دستور مدني في التاريخ.
القائد : عبقرية في إدارة الصراع وتحويل الهزيمة في أحد إلى درس بناء.الإنسان: الزوج الذي كان يخيط نعله، والأب الذي بكى على ابنه إبراهيم، والصديق الذي شاور أصحابه في بدر.
هذه النقلة مهمة. العقاد يرفض الفصل بين المقدس والإنساني. يقول: إن حضور الجانب الإنساني لم ينقص من المقام، بل هو الذي جعل الرسالة قابلة للتصديق والعيش. كما قال الفيلسوف كيركجارد: “لكي تؤثر في الناس يجب أن تكون منهم”.
لو قرأنا “عبقرية محمد” اليوم في 2026 نحتاج نضيف 3 زوايا:
عبقرية الإدارة : أسس أول نظام للشورى، وأول معاهدات للمواطنة مع غير المسلمين، وأول سوق منظمة في المدينة. هذا سبق زمنه بـ 1000 سنة.
عبقرية اللغة : القرآن نزل بلغة قريش، لكنه حولها من لهجة قبيلة إلى لغة حضارة. وهذا ما يسميه علماء اللسانيات اليوم تحول بنيوي للخطاب.
عبقرية الرحمة : في وقت كانت الحروب تعني إبادة، وضع قواعد: لا تقتلوا شيخًا ولا طفلًا ولا امرأة ولا تقطعوا شجرة. هذا تحول أخلاقي في مفهوم الحرب. ويبقي
سؤال العصر: ماذا نفعل بهذه العبقرية الآن؟
العقاد يلمح أن العظمة ليست في التقليد الحرفي، بل في استيعاب المنهج طلب ان يكون
الإيمان مع العقل. لم يطلب من الناس أن يؤمنوا بلا دليل، بل خاطب عقولهم: “أفلا تعقلون”.
القوة مع الرحمة. انتصر لكنه عفا في فتح مكة.
الفرد مع الجماعة. بنى الإنسان قبل أن يبني الدولة.
هذه معادلة مفقودة اليوم. نحن بين تطرف يلغي العقل، وعقلانية تلغي الروح. وتجربة محمد تقول لا انفصال.
في ذكرى المولد لا نحتاج خطبًا. نحتاج أن نتذكر أن أعظم قصة في التاريخ بدأت برجل كان يجلس وحيدًا في غار، يفكر.
محمد لم يكن أسطورة بعيدة. كان يضحك مع الأطفال، ويغضب للظلم، ويسهر على وطن.
العقاد أراد أن يقول لنا: لا تبحثوا عن العبقرية في السماء فقط. ابحثوا عنها في الإنسان الذي أحب، وحزن، وقاد، وسامح، وبنى.
وإذا كانت العبقرية هي أن تترك العالم أفضل مما وجدته، فقد فعلها.
وإذا كان الحب هو أن يحيا ذكرك في قلوب من لم يروك، فها نحن بعد 1400 عام ما زلنا نحتفل بميلادك كأنه اليوم.