خلقت التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة أنماطًا جديدة من الوظائف والمهن والتعاملات لم تكن موجودة من قبل، ولم يكن لها في البداية ظل واضح في القوانين التي تنظم الحقوق والواجبات وتحدد المسؤوليات وتعاقب على الخروج عن مقتضيات العمل. وكالعادة، سبق الواقع النصوص، وظهرت مهن جديدة قبل أن تجد طريقها إلى التشريع.
خذ مثلًا التجارة الإلكترونية. فقد أصبح البيع والشراء عبر الإنترنت صناعة ضخمة تتجاوز الحدود، وتدور فيها مليارات الدولارات، لكنها في الوقت نفسه لم تخلُ من الغش والتلاعب في الأسعار والمواصفات والجودة، بل ظهرت مشكلات جديدة لم تكن مألوفة في التجارة التقليدية. ومع ذلك، لم تتوقف التجارة الإلكترونية حتى تكتمل القواعد المنظمة لها، وإنما فرضت نفسها على الواقع، ثم بدأت التشريعات في التعامل معها ومحاولة سد الثغرات التي كشفتها الممارسة.
والأمر نفسه حدث في وسائل النقل التي اعتمدت على التطبيقات. ظهرت شركات ومنصات تتيح للأفراد طلب سيارة لنقلهم بضغطة واحدة على الهاتف، وأصبحت هذه الخدمة جزءًا من الحياة اليومية في كثير من المجتمعات قبل أن تستقر الأطر القانونية التي تنظم العلاقة بين السائق والشركة والراكب. ومع كل تجربة جديدة كانت تظهر مشكلة، ومع كل مشكلة كان التشريع يحاول أن يلحق بالواقع.
وهنا نصل إلى السوشيال ميديا، التي لم تكتفِ بتغيير طريقة التواصل بين الناس، وإنما خلقت مهنًا كاملة، من بينها صناعة المحتوى، والـ ” بلوجرز ” والـ ” فلوونسرز ” أو المؤثرون، وأعتقد أن هاتين الفئتين من أكثر المهن التي تستحق التوقف أمامها، ليس لأن كل من يعمل فيها يمارس الخطأ وإنما لأن تأثيرها أصبح أكبر بكثير من حجم التنظيم الذي يحكمها!
القانون بالطبع لا يغيب عندما يرتكب أحدهم جريمة فمن ينشر شائعة أو يرتكب فعلًا مجرمًا أو يمارس غشًا تجاريًا يخضع للقواعد القانونية القائمة بصرف النظر عن كونه ” بلوجرًا ” أو ” فلوونسرًا ” أو مستخدمًا عاديًا لمنصات التواصل..
لكن المشكلة في مساحة أخرى في النشاط نفسه عندما يتحول إلى مهنة ، وفي المسؤوليات التي تترتب على صاحب التأثير عندما يصبح لديه ملايين المتابعين ويستطيع بكلمات قليلة أن يغير قرارًا أو يروج سلعة أو يؤثر في سلوك !
وقد شهدنا في الفترة الأخيرة حملات أمنية ضد بعض البلوجرز بسبب ممارسات تجاوزت حدود القانون وارتبط بعضها بالتحريض على الفجور ونشر محتوى يخالف القيم العامة أو استخدام المنصات في أنشطة غير مشروعة
هذه الوقائع مهمة لكنها لا تنهي المشكلة لأن التعامل مع المخالفة بعد وقوعها شيء وتنظيم المجال الذي يمكن أن تقع فيه المخالفات شيء آخر .
أما ” الفلوونسر ” فالقضية معه أكثر تعقيدًا لأنه لا يقدم نفسه بالضرورة باعتباره بائعًا أو معلنًا تقليديًا، وإنما يبني علاقة ثقة مع جمهوره
بعض المؤثرين يقدم محتوى محترمًا ومفيدًا ويحقق متابعة واسعة لأنه يملك موهبة حقيقية أو يقدم معرفة أو تجربة تستحق الاهتمام، وهناك فئة أخرى تقدم محتوى لا يرتقي إلى الذوق العام ، بينما تذهب فئة ثالثة إلى منطقة أكثر حساسية عندما تستخدم هذه الثقة في الترويج للسلع أو الخدمات أو المطاعم أو المنتجات الصحية دون تحقق كافٍ من الجودة أو الصلاحية
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية عندما يعلن شخص لديه ملايين المتابعين عن منتج فإن المسألة لا تشبه تمامًا إعلانًا تجاريًا تقليديًا يعرف الجمهور أنه إعلان ، فالمؤثر يقدم الإعلان أحيانًا داخل تجربته الشخصية وكأنه ينقل نصيحة من صديق إلى صديق وهو ما يجعل بعض المتابعين أكثر استعدادًا للثقة فيما يقول .. فإذا كان المنتج رديئًا أو مغشوشًا أو ضارًا فمن يتحمل المسؤولية؟ المنتج وحده؟ أم المنصة التي نشر عليها الإعلان؟ أم المؤثر الذي قدمه لجمهوره باعتباره اختيارًا يستحق التجربة؟
لا أظن أن الإجابة يمكن أن تكون ترك صناعة المحتوى بلا ضوابط ، كما لا يمكن أن تكون فرض رقابة تخنق حرية التعبير والإبداع !
المطلوب ببساطة هو تنظيم واضح يفرق بين حرية الرأي وبين النشاط التجاري، ويحدد مسؤولية من يحصل على أموال مقابل الترويج لسلعة أو خدمة ويلزمه بالإفصاح عن علاقته التجارية بالمعلن ويضع قواعد أكثر صرامة عندما يتعلق الأمر بالصحة أو المال أو الخدمات التي قد يترتب على استخدامها ضرر مباشر.
وتبقى المسألة الضريبية جانبًا آخر لا يقل أهمية. فالمؤثر الذي يحول متابعيه إلى مصدر دخل ويحقق عائدات من الإعلانات والرعاية والترويج يمارس نشاطًا اقتصاديًا، ومن الطبيعي أن يكون لهذا النشاط وضع قانوني ومالي واضح، مثل غيره من الأنشطة التي تحقق دخلًا وتستفيد من تطورات السوق.
والأمر لا يتعلق بالفلوونسرز وحدهم فصناعة المحتوى أصبحت اقتصادًا حقيقيًا، وكلما اتسعت زادت الحاجة إلى قواعد تحمي صاحب المحتوى وتحمي الجمهور في الوقت نفسه .
نحتاج إلى رقابة واعية وموضوعية لا تراقب الأفكار ولا تفتش في النوايا، وإنما تتدخل عندما يتعلق الأمر بالغش والتدليس أو صحة الناس أو أموالهم أو أمنهم أو وعيهم.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع التطور السريع للذكاء الاصطناعي الذي بدأ يخلط – بصورة غير مسبوقة – بين الحقيقي والمصطنع، فلم يعد كل ما نراه على الشاشة دليلًا على أنه حدث بالفعل ولا كل صوت نسمعه دليلًا على أن صاحبه قال ما نسمعه، ومع انتشار أدوات إنتاج الصور والفيديو والصوت يصبح التحقق من المحتوى ضرورة لا رفاهية.
لقد علمتنا التكنولوجيا خلال السنوات الماضية أن المهنة قد تظهر أولًا ثم يأتي القانون بعدها. لكن التجربة علمتنا أيضًا أن انتظار الأخطاء حتى تتحول إلى أزمات ليس أفضل طريق للتنظيم. لذلك ربما نحتاج اليوم إلى أن نطرح السؤال قبل أن تتسع الظاهرة أكثر: هل آن الأوان لوضع إطار واضح لصناعة التأثير وصناعة المحتوى، يحمي حرية التعبير، ويحمي الجمهور، ويجعل صاحب التأثير مسؤولًا عن المساحة التي اختار أن يعمل فيها؟
فالقانون لا يستطيع أن يطارد كل خطأ بعد وقوعه، خصوصًا عندما تتغير المهنة نفسها أسرع من النصوص التي تنظمها.
والأفضل دائمًا أن نضع قواعد لكل لعبة جديدة، قبل أن يصبح الخطأ هو الذي يفرض علينا قواعدها .