الكاتب الصحفي محمد العزيزي يكتب : “رابعة والنهضة ” .. حين تصبح المظلومية بديلاً عن الحقيقة

الكاتب الصحفي محمد العزيزي
هل يمكن أن نتذكر 14 أغسطس 2013 دون أن نسأل أولًا: كيف وصلت مصر إلى ذلك اليوم؟
وهل يمكن أن نتحدث عن فض اعتصامي رابعة والنهضة وكأن التاريخ بدأ صباح ذلك اليوم وانتهى بانتهاء عملية الفض، متجاهلين كل ما سبقه وكل ما تلاه؟
منذ نشأتها، امتلكت جماعة الإخوان المسلمين قدرة لافتة على صناعة المظلومية وتحويلها إلى خطاب سياسي يستهدف المشاعر قبل العقول، خصوصًا حين يرتبط هذا الخطاب بالدين والهوية والمشاعر الدينية. ألم تنجح الجماعة، على مدى عقود، في تقديم نفسها باعتبارها الطرف الذي يتعرض دائمًا للاستهداف، حتى أصبحت المظلومية جزءًا أساسيًا من صورتها السياسية؟
ألم تساعد ظروف سياسية واجتماعية امتدت لعقود، في عهدي السادات ومبارك، على ترسيخ هذه الصورة، حتى أصبحت الجماعة أكثر حضورًا داخل المجتمع ومؤسسات الدولة، رغم ما تعرض له بعض رموزها من محاكمات وسجن ثم عودتهم إلى الحياة العامة؟
ثم جاءت أحداث يناير، ووصلت الجماعة إلى السلطة، فهل كان عامًا واحدًا من حكمها كافيًا لإعادة طرح السؤال القديم: هل كانت الجماعة تبحث عن المشاركة في إدارة الدولة أم عن إعادة تشكيل الدولة وفق رؤيتها الخاصة ولحساب قوي إقليمية وأجنبية ؟
ولماذا خرج ملايين المصريين في 30 يونيو إذا كانت المسألة مجرد مؤامرة على جماعة منتخبة كما تحاول بعض الروايات الإخوانية تقديمها حتى اليوم ؟
ألم تكن 30 يونيو لحظة انفجار سياسي ومجتمعي واسع، شارك فيها عشرات الملايين من المصريين قبل أن تنتقل الأزمة إلى مرحلة أكثر خطورة بعد عزل محمد مرسي ؟
وهنا نصل إلى رابعة والنهضة .. هل كان الاعتصامان مجرد تجمعين سياسيين سلميين كما تصر الرواية الإخوانية على تقديمهما، أم أن الصورة كانت أكثر تعقيدًا؟
هل يمكن تجاهل ما وثقته تقارير وشهادات مستقلة عن وجود أسلحة داخل الاعتصامين، وعن وقوع أعمال عنف واشتباكات واستخدام بعض المشاركين السلاح ضد قوات الأمن؟
وهل يمكن في الوقت نفسه أن نتجاهل أن فض الاعتصامين أدى إلى سقوط أعداد من القتلى، وأن منظمات حقوقية دولية وثقت وسجلت سقوط مدنيين بين الضحايا استخدمتهم الجماعة دروعا بشرية ؟
وإذا كنا نريد الحقيقة فلماذا تختار الجماعة وأطرافها جزءًا واحدًا من الصورة وتطلب من الجميع أن يصدقوها باعتبارها الصورة الكاملة؟
ألم تكن مصر في ذلك الوقت أمام أزمة بالغة التعقيد ؟ دولة تواجه احتجاجات واعتصامات مفتوحة وجماعة مدعومة من الخارج ترفض إنهاء اعتصامها واشتباكات تتصاعد ومشهد سياسي يزداد انقسامًا ومحاولات للحل والتفاوض لم تصل إلى نتيجة ؟
هل كان يمكن أن يستمر الوضع إلى ما لا نهاية ؟ وهل كان يمكن أن تتحول مناطق حيوية في العاصمة إلى بؤر مغلقة على نفسها تفرض أمرًا واقعًا خارج مؤسسات الدولة والقانون ؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا تحتاج إلى شعارات وإنما تحتاج إلى قدر من الشجاعة في النظر إلى المشهد كاملًا
فلماذا تصر جماعة الإخوان حتى اليوم على اختزال كل هذه التعقيدات في رواية واحدة عنوانها «رابعة» ومظلومية الفض ؟
ولماذا تحاول تحويل ضحايا الفض إلى ورقة سياسية دائمة وكأن الاعتراف بدمائهم يعني بالضرورة الاعتراف بكل الرواية التي تقدمها الجماعة عن ذلك اليوم؟
لكن هل يعني ذلك أن تتحول المظلومية إلى احتكار سياسي للذاكرة، وأن يصبح يوم 14 أغسطس 2013 نقطة البداية والنهاية لكل ما جرى ؟
إذن وماذا عن الأيام التي سبقت الفض؟
وماذا عن حالة الاحتقان السياسي التي أعقبت 30 يونيو؟
وماذا عن أعمال العنف التي أعقبت الفض واستهدفت أقسام شرطة ومنشآت عامة وبنية تحتية للكهرباء والمياه وكنائس ومتاحف في عدد من المحافظات؟
هل يمكن حذف كل ذلك من التاريخ لأن رواية واحدة لا تريد أن تراه ؟
الحقيقة أن 14 أغسطس لم يكن يومًا منفصلًا عن سياقه كما أن ما جرى في رابعة لم يكن مجرد مواجهة بين ” متظاهرين”  و”دولة ” بالمعنى الذي تحاول بعض الروايات اختزاله
كان المشهد أكثر تعقيدًا وكانت مصر تعيش واحدة من أخطر لحظاتها السياسية والأمنية، وكان الصراع قد تجاوز حدود الخلاف السياسي إلى سؤال أكبر: من يملك حق فرض إرادته على الدولة والمجتمع؟
وهنا ربما يكون السؤال الأهم: هل كان الخلاف في جوهره حول اعتصام يمكن فضه، أم حول محاولة جماعة سياسية تحويل وجودها في الشارع إلى أداة لفرض أمر واقع على دولة بأكملها؟
وهل يمكن لدولة، أيًا كانت، أن تسمح بتحويل الميادين إلى مناطق مغلقة خارج سيطرتها القانونية والأمنية إلى أجل غير معلوم؟
ثم إذا كنا نرفض تكرار المأساة ألا يتوجب علينا أن نتعلم منها بدلًا من إعادة إنتاجها في صورة بكائية سياسية كل عام؟
مصر لا تحتاج إلى أن تنسى 14 أغسطس لكنها تحتاج إلى أن تتذكره كاملًا .. تتذكر الضحايا من المدنيين ورجال الشرطة وتحترم الدم المصري ، وتتذكر أيضًا السياق الذي قاد إلى ذلك اليوم وما سبقه وما تلاه!
فهل يمكن أن تكون الذكرى درسًا بدلًا من أن تكون ثأرًا سياسيًا؟
وعلينا أن نعترف بأن الدولة لن تسمح مرة أخرى بتحويل الميادين إلى جزر مغلقة !
وربما يكون هذا هو الدرس الحقيقي لـ14 أغسطس أن ” المظلومية لا تستطيع أن تحذف التاريخ ، وأن الدم لا ينبغي أن يتحول إلى سلعة سياسية ” ، وأن ذاكرة الشعوب لا تصنعها الرواية التي يكررها طرف واحد، وإنما تصنعها رؤية المشهد كاملًا بكل تفاصيله “
ففي ذكرى رابعة، هل نحتاج إلى بكائية جديدة.. أم نحتاج للمرة الأولى إلى ذاكرة كاملة؟
ربما تكون الإجابة هي أن مصر لا تحتاج إلى أن تنسى ما حدث وإنما تحتاج إلى ألا تسمح لأحد بأن يختار لها ما تتذكره وما تنساه، وأن أهم ما يجب أن يبقى من ذلك اليوم أن مصر، مهما اشتدت أزماتها، لا ينبغي أن تسمح مرة أخرى بأن تتحول السياسة إلى صراع على الدولة نفسها فهذا خط أحمر
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.