وقف يتأمل اللوحة النحاسية المثبتة على باب المكتب. “السيد رئيس النيابة”. رددها في سره بتمهل، وهو يقف بأدبٍ جمٍّ، مرتدياً بذلته الأنيقة وربطة عنقه المحكمة، وقد لمع حذاؤه تحت ضوء الردهة. بين يديه ملف القضية، التي تتلخص لك، أيها القارئ، فيما يأتي:
ضُبط الشاعر والفنان التشكيلي المعروف، سامي عبد البديع، في بيتٍ مشبوه. بيتٌ قديمٌ في حارةٍ ضيقة، تقشر طلاء واجهته وعلته رطوبة السنين. رائحة البخور الرخيص تختلط برائحة العرق والدخان، والجدران مغطاة بملصقات باهتة وألوان صارخة تحاول إخفاء التصدعات. في الداخل ضوضاء دائمة: ضحكات مفتعلة، وموسيقى صاخبة تخرج من راديو قديم، وأقدام تتحرك على أرضية مبلطة مهترئة. كان المكان أشبه بمقبرة للرغبات، يدخله الناس ليدفنوا مللهم لا ليحيوا.
وجاء في محضر الشرطة أنهم وجدوا في محفظته قطعة من جوهر الحشيش المخدر. وعند مواجهته، أقرّ بذلك، لكنه تمتم بكلمات غامضة لم يستطع محرر المحضر أن يتبينها، فأغفل ذكرها.
اخترق سمعه صوت العسكري ينادي: “الأستاذ عبد الستار المحامي”.
دلف إلى مكتب رئيس النيابة، فدعاه للجلوس وعرض القضية.
عبد الستار عبد العليم، المحامي، حاضر عن المتهم يا فندم.
رحب به رئيس النيابة باقتضاب، ثم أمر كاتب النيابة بفتح التحقيق: “إنه في ساعته وتاريخه حضر…” وبعد أن استكمل الديباجة الأولى، رفع عينيه إليه وقال: تفضل.
يا فندم، قبل أن ندخل في المحضر الرسمي، أود أن أوضح أمراً.
نظر إليه رئيس النيابة من خلف نظارته الطبية، وأسند ظهره إلى مقعده وقال: تفضل، بسرعة من فضلك.
يا فندم، موكلي شاعر وفنان تشكيلي معروف، له إسهامات ثقافية مثمرة أفادت الوطن في محافل دولية ومحلية عديدة.
وبعدين؟ قالها رئيس النيابة بنفاد صبر.
في ذلك اليوم، كان يعاني معاناة قاتلة. مرّ عليه عام كامل لم يدرك فيه لحظة إبداع واحدة. كأن نفسه تحولت إلى صحراء قاحلة بلا قطرة ماء، وهو يهيم في دروبها بلا زاد ولا مأوى، تحت شمس حارقة.
كيف؟ سأل رئيس النيابة.
يا فندم، أردت أن أقرب لك الصورة. الفنان لا تكتمل نشوة حياته إلا بلحظة إبداع تروي عطشه في صحراء الحياة اللامتناهية. حين يدركها، يستعيد قلبه النبض وتدب الحياة في شرايينه. لذلك، يا فندم، كان موكلي في لحظة القبض عليه ينتحر قبل أن يموت. كان واقفاً كالنخيل، يظنه الناس حياً وهو ميت، ميت دون إبداع.
تقدر تقول، يا فندم، إنه كان في مهمة أخيرة انتحارية، يحاول فيها أن يتخلص من ماديته ليمنح روحه فرصة التحليق مرة أخرى. هذا ما أراد الوصول إليه حين قُبض عليه في البيت المشبوه ومعه قطعة المخدر. وعندما قال هذا الكلام في محضر الشرطة لم يفهموه، ورفضوا تدوينه في المحضر الرسمي.
لكنه ضُبط متلبساً يا حضرة المحامي؟
يا فندم، لحظة القبض عليه كان ميتاً يبحث عمن ينفخ فيه نسمة الحياة. لقد ضمرت روحه، وتيبست كل أفكاره. فهل يُحاسب الميت إلا بين يدي ربه؟ وهل يحيا إنسان بلا أفكار؟ وهل يعيش الفنان دون أن يحلق في سماء الإبداع؟ أؤكد لسيادتكم أنه في لحظة القبض عليه كان ميتاً… ميتاً يا فندم.
كلام غريب جداً، قال رئيس النيابة.
وبناء عليه، يا فندم، لا توجد قضية، لأنه لا يوجد جانٍ.
رغم أني أفهم جزءاً من كلامك وأتعاطف معه، لكن القانون لا يفهم ما تقول، رد رئيس النيابة. ثم ضغط على جرس المكتب، فأقبل جندي الحراسة مسرعاً.
أوامرك يا فندم؟ قالها الجندي دون أن يرفع عينيه.
أحضروا المتهم، أمره رئيس النيابة. ثم استدار نحو المحامي قائلاً: موكلك إن لم يقل كلاماً يصلح لتسجيله في محضر رسمي، وكرر ما قلته أنت، فسأضطر آسفاً لتجديد حبسه وإحالة القضية، وليقل ما يشاء أمام القضاء.
دخل الفنان سامي عبد البديع ممسكاً به أمين الشرطة، ثم فك الأصفاد من يديه وانصرف. نظر إليه رئيس النيابة وقال:
أستاذ سامي، حضرتك متهم بارتياد بيت مشبوه، كما ضُبطت في محفظتك قطعة أثبت الطب الشرعي أنها من جوهر الحشيش المخدر. والأستاذ عبد الستار لم يدلِ نيابة عنك بأقوال تصلح أن تُدوَّن في محضر رسمي. لذلك أنا مضطر لاستجوابك مباشرة، وأتمنى أن أسمع منك كلاماً مفيداً.
نظر إليه الفنان سامي عبد البديع بشرود وقال: اتفضل يا فندم.
كويس جداً، قال رئيس النيابة.
س: ما سبب وجودك في البيت المشبوه؟
اتفضل.
استدار الفنان بكل جسده حتى أصبح في مواجهة رئيس النيابة، وقال بصوت خافت:
مرّ وقت طويل وأنا أنتظر.. هِمتُ في الشوارع، وتزاحمت وسط الناس في المقاهي والمواصلات العامة، أعيش حيواتهم وأتنصت لما يقولون. وفي المساء أجلس وحيداً أنظر إلى السماء، وأصغي لصوت الصمت وحفيف الشجر. أقلب في كتبي القديمة ولوحاتي، وأنتظر…لكنها لا تأتي. كان جسدي يلح عليّ إلحاحاً مميتاً، ويعطلني عن استقبال اللحظة التي أنشدها. فذهبت إلى هناك حتى أدفن بقايا رغباتي وأسويها بالتراب، وأصبح حراً طليقاً، حتى إذا أتتني وجدتني طاهراً نقياً، جاهزاً لاستقبالها.
آه..مفهوم، مفهوم، تمتم رئيس النيابة. ثم أردف: والحشيش يا أستاذ سامي؟
رد قائلاً:
عقلي يا فندم يعذبني، يقيدني. في كل ليلة يلقي الاتهامات في وجهي ويطاردني بالأسئلة حتى الصباح. أقوم منهك القوى، متعب الفكر، أتجرع كل أحزاني. آه، ما أصعب أن تتجرع عذاباتك بسبب انتباه عقلك الدائم! فقررت أن أتخلص منه، أن أرتاح ولو قليلاً بعيداً عنه وعن مطاردته لي، لعل اللحظة تأتي وتحوّل جدب نفسي إلى واحة إبداع غنّاء.
كده، قال وكيل النيابة، ثم التفت إلى المحامي: معندكش أقوال تانية يا أستاذ أنت والمتهم بتاعك؟
يا فندم والله دي الحقيقة، رد المحامي.
ابتسم رئيس النيابة وأشاح بوجهه عنهما، وتوجه نحو مكتبه آمراً كاتب النيابة: اكتب.
“يُحال المتهم سامي عبد البديع إلى الطب الشرعي لبيان مدى سلامة قواه العقلية، ومعه أيضاً المحامي الخاص به. وأُقفل المحضر في تاريخه.”