الكاتب الصحفي محمد العزيزي يكتب :القواعد الأمريكية.. حمت من؟!

الكاتب الصحفي محمد العزيزي
الحروب لا تكشف فقط موازين القوة بل تفضح أيضًا أوهام القوة ، وما كشفت عنه الحرب الصهيوأمريكية على إيران لم يكن متعلقًا فقط بقدرات الجيوش أو نتائج المواجهات العسكرية، وإنما بوظيفة القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج ، والتي طرحت سؤالا ظل مسكوتا عنه ومؤجلًا طويلًا: القواعد الأمريكية.. حمت من؟
فعلى امتداد عقود انتشرت القواعد العسكرية الأمريكية في معظم دول الخليج وغيرها تحت عناوين الشراكة الأمنية والردع وحماية الاستقرار الإقليمي ، بينما تحملت الدول التي تستضيف هذه القواعد تكاليف إنشائها وتشغيلها على أساس أنها تمثل مظلة حماية في مواجهة الأخطار المحتملة ، إلا أن مجريات الحرب الأخيرة كشفت واقعًا مختلفًا تمامًا عن الصورة التي روجت لها الاتفاقيات والترتيبات الأمنية !
فمع اتساع نطاق المواجهة أصبحت القواعد الأمريكية أهدافًا عسكرية مباشرة باعتبارها منشآت أمريكية لا منشآت وطنية للدول التي تستضيفها ،  وهكذا وجدت هذه الدول نفسها دون أن تكون طرفًا أصيلًا في الحرب في قلب دائرة الخطر بعدما تحولت أراضيها إلى جزء من مسرح العمليات العسكرية.. وهنا يثور السؤال المنطقي: إذا كانت هذه القواعد أقيمت لتحقيق الردع، فأين تحقق هذا الردع ؟
ردع من عن من؟
وإذا كانت أقيمت لحماية الدول المضيفة فلماذا أصبحت هذه الدول نفسها معرضة لتداعيات الصراع ؟
أما إذا كان الهدف الحقيقي هو حماية المصالح الأمريكية  أو تأمين التفوق الاستراتيجي لواشنطن في المنطقة ، أو حماية إسرائيل ، أو السيطرة على الممرات البحرية ومصادر الطاقة فإن السؤال يصبح أكثر ضرورة وإلحاحًا: ما الفائدة التي تجنيها هذه الدول من وجود هذه القواعد إذا كانت تتحمل كلفتها، ثم تتحمل في الوقت ذاته مخاطر استهدافها؟
لقد أثبتت الحرب حتى الآن أن هذه القواعد تخدم الاستراتيجية الأمريكية قبل أي شيء آخر، بينما تجد الدول التي تستضيفها نفسها أمام معادلة بالغة القسوة .. فهي تتحمل أعباء الاستضافة ثم تتحول أراضيها إلى أهداف كلما اشتعلت مواجهة لا تكون طرفًا في صنعها. وبذلك تدفع الثمن مرتين: مرة بالمال والبنية التحتية، ومرة أخرى عندما تمتد إليها نيران صراع لم تختره  .
وإذا كانت هذه الحرب قد أعادت فتح النقاش حول جدوى القواعد الأجنبية فإن التجربة المصرية تقدم نموذجًا مختلفًا في فهم العلاقة بين الأمن والسيادة ، فمنذ قيام الجمهورية اتخذت الدولة المصرية موقفًا ثابتًا برفض إقامة أي قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، انطلاقًا من إدراك مبكر بأن الأمن الوطني لا يُستورد، وأن وجود قوات أجنبية داخل حدود الدولة لا يتوقف عند مجرد ترتيبات عسكرية  بل يفتح الباب تدريجيًا لتداخل المصالح ويقيد حرية القرار الوطني، ويجعل الدولة أكثر عرضة للانخراط في صراعات لا تعبر بالضرورة عن مصالحها !
ولم يكن هذا الموقف المصري شعارًا سياسيًا بل تعبيرًا عن فلسفة سيادية راسخة ترى أن استقلال القرار لا يكتمل إلا بالسيطرة الكاملة على الأرض، وأن أي وجود عسكري أجنبي مهما كانت مبرراته يظل عاملًا مؤثرًا في معادلة السيادة الوطنية ، ويمنح الآخرين قدرة على التأثير في خيارات الدولة ومساراتها !
وربما تنتهي هذه الحرب قريبًا علي أي صورة من الصور ..  لكن السؤال الذي ستتركه سيظل حاضرًا بقوة: هل كانت القواعد العسكرية الأمريكية مصدرًا للحماية فعلًا .. أم أنها تحولت إلى أحد أسباب اتساع دائرة الخطر؟
لقد آن الأوان لإعادة تقييم هذه المعادلة بعيدًا عن الشعارات ، فالتجارب أثبتت أن السيادة لا تتجزأ وأن حماية الأوطان تبدأ من امتلاك قرارها  لا من استضافة جيوش الآخرين !
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.