تعيش منطقتنا منذ سنوات حروبا متلاحقة بدأت بالحرب الروسية الأوكرانية ثم الحرب على غزة وصولًا إلى المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.
وبين هدنة لا تلبث أن تنهار وتصعيد يفرض نفسه على المشهد يدفع الجميع ثمنًا اقتصاديًا وسياسيًا، حتى الدول التي لا تشارك في القتال بصورة مباشرة .
ومصر ليست بعيدة عن هذه التداعيات.. صحيح أنها ليست طرفًا مباشرًا في تلك الحروب لكنها تتحمل نصيبًا معتبرًا من كلفتها الاقتصادية، ويأتي في مقدمة ذلك التضخم وارتفاع الأسعار، وهي الأزمة التي يشعر بها المواطن كل يوم ولا تحتاج إلى مؤشرات أو تقارير لإثباتها !
والحق أن الحكومة نجحت حتى الآن في الحفاظ على توافر السلع الأساسية، وتكوين مخزون استراتيجي وفر درجة من الأمان في مواجهة الاضطرابات العالمية، وهو إنجاز يستحق التقدير ، لكن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على توفير السلعة وإنما امتد إلى ضبط سعرها ومنع استغلال حاجة المواطنين إليها !
فالمواطن لا يقيس آثار الحرب بعدد الصواريخ التي تنطلق أو المدن التي تتعرض للقصف بل يقيسها بسعر رغيف الخبز وكيلو اللحم وزجاجة الزيت، وحتى حزمة الجرجير. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس هل توجد حرب؟ وإنما: كيف نحمي السوق من تداعياتها؟
ندرك جميعًا أن الحكومة لا تستطيع فرض أسعار جبرية على كل السلع، وأن السوق تحكمه قواعد العرض والطلب، كما نعلم أن الدولة لا تملك كل وسائل الإنتاج أو الاستيراد ، لكننا نعلم أيضًا أن السوق يضم مستوردين وتجارًا كبارًا يسيطرون على سلع رئيسية، وأن قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية وُضع أساسًا لمنع هيمنة قلة على احتياجات ملايين المواطنين.
ومن هنا تبدأ مسؤولية الدولة، ليس في إدارة الحرب خارج الحدود، وإنما في حماية الجبهة الداخلية ، فعندما تتعرض المنطقة لاضطرابات ممتدة، تتحول وزارات مثل التموين والإعلام إلى وزارات تتصدر المواجهة ..
الأولى يقع على عاتقها ضبط الأسواق، ومراقبة حركة السلع ومنع الاحتكار وفتح المجال أمام المنافسة العادلة ، والثانية تتحمل مسؤولية توعية المواطنين، وكشف الحقائق، وفضح كل من يحاول استغلال الأزمات لتحقيق أرباح غير مشروعة.
وكثيرًا ما تؤكد الحكومة أن مخزون السلع الاستراتيجية آمن ويكفي لفترات طويلة، وهو ما يمنح المواطنين قدرًا من الثقة .. لكن المواطن يطرح سؤالًا مشروعًا: إذا كانت السلع متوافرة بالكميات التي تعلنها الدولة، فلماذا تقفز الأسعار بهذا الشكل؟ ولماذا تمتد موجة الغلاء إلى منتجات محلية لا ترتبط مباشرة بالاستيراد أو بأسعار الشحن العالمية؟
الإجابة لا تكمن دائمًا في الحرب، وإنما قد تكمن فيمن يحول الحرب إلى فرصة للثراء ! وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ «أغنياء الحروب» .. أولئك الذين يستغلون القلق العام واحتياجات الناس لرفع الأسعار، أو تخزين السلع، أو تعطيش الأسواق، بحثًا عن أرباح لا يبررها الواقع ولا التكلفة.
ولا يقل هذا السلوك خطورة عن التداعيات الاقتصادية للحروب نفسها، لأنه يضغط على الجبهة الداخلية، ويستهلك قدرة المواطنين على التحمل، ويضعف الثقة في السوق ، ولذلك فإن تطبيق القانون بحزم وتفعيل أجهزة الرقابة وتسريع إجراءات مواجهة الاحتكار ضرورة وطنية في ظرف إقليمي شديدة التعقيد والخطورة
فالحكومة تستطيع أن تطمئن المواطنين برسائلها، لكن الأسواق وحدها هي التي تمنح هذه الرسائل مصداقيتها، وعندما يرى المواطن أن الدولة تحاصر المحتكر قبل أن تحاصر الحكومة جيبه، تتحول الطمأنينة من كلمات إلى واقع .
في زمن الحروب لا تحمي الدول حدودها بالسلاح وحده بل تحمي جبهتها الداخلية أيضًا بسيادة القانون وانضباط الأسواق والضرب بيد من حديد على كل من يتاجر بأقوات الناس ويحول الأزمات إلى وسيلة للثراء
فاستقرار السوق ليس مجرد شأن اقتصادي وإنما أحد خطوط الدفاع الأولى عن الأمن القومي.