الكاتب الصحفي محمد العزيزي يكتب: ترامب.. يبحث عن قطة سوداء في غرفة مظلمة!

الكاتب الصحفي محمد العزيزي

من السهل أن تتخذ قرار الحرب لكن من الصعب أن تتخذ قرار إنهائها .. فالقرار الأول قد يصدر بعد حسابات عسكرية أو استخباراتية وربما بعد تقديرات يشوبها النقص أو سوء الفهم! أما القرار الثاني فلا يعود مرهونًا بإرادة من أشعل الحرب بل بوقائع الميدان وتشابك المصالح الإقليمية والدولية ، وحينها تصبح الحرب كيانًا مستقلًا يفرض منطقه على الجميع ويحول صانع القرار إلى أسير لنتائج لم يكن يتوقعها !

هذه الحقيقة تبدو اليوم أكثر حضورًا في البيت الأبيض حيث يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام حرب انخرطت فيها الولايات المتحدة ضد إيران بعدما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالأحداث إلى نقطة جعلت واشنطن شريكًا مباشرًا في مواجهة لم تكن على الأرجح ضمن أولويات ترامب عندما عاد إلى البيت الأبيض متعهدًا بإنهاء الحروب لا إشعال حروب جديدة.

ولأن العالم لم يعد يدار بمنطق الحرب التقليدية فإن الصراعات العسكرية أصبحت جزءًا من معادلات اقتصادية وجيوسياسية أكثر تعقيدًا ، فمن الصعب النظر إلى المواجهة مع إيران بمعزل عن الصراع الأمريكي الصيني الذي يمثل التحدي الأكبر للهيمنة الأمريكية خلال العقد المقبل.

وقد ترى واشنطن في أي مواجهة فرصة لإعادة ترتيب موازين القوة أو توجيه رسائل إلى خصومها أو تطوير مواقعها التفاوضية في ملفات أخرى لا علاقة مباشرة لها بساحة القتال .

غير أن المشكلة هذه المرة لا تتعلق بأهداف الحرب وحدها وإنما بطريقة إدارتها ، فقد رأى عدد من الخبراء والمحللين الأمريكيين أن الولاية الثانية لترامب شهدت تغليبًا واضحًا للقرار الشخصي على حساب الآليات التقليدية التي اشتهرت بها دولة المؤسسات الأمريكية وباتت السياسة الخارجية في كثير من الأحيان تُدار بمنطق “الرجل الواحد”، حيث تتبدل المواقف والتصريحات بسرعة لافتة وتتحول القرارات المصيرية إلى انعكاس مباشر لرؤية الرئيس أكثر من كونها نتاجًا لمؤسسات الدولة وأجهزتها !

ولم يكن غريبًا، في ظل هذا الأسلوب، أن تتناقض الرسائل الأمريكية بين الدعوة إلى هدنة ومفاوضات ثم العودة إلى لغة التصعيد أو الحديث عن ترتيبات جديدة في الخليج بما في ذلك طرح أفكار تتعلق بجزيرة “خرج” الإيرانية وهي تصريحات زادت من حالة الغموض والارتباك ومنحت خصوم واشنطن فرصة للتشكيك في قدرتها على إدارة الصراع وفق رؤية مستقرة.

ولم تقتصر كلفة هذا الارتباك على ميدان المواجهة بل امتدت إلى شبكة التحالفات الأمريكية نفسها حيث برزت

تباينات واضحة مع عدد من الشركاء الأوروبيين بشأن إدارة الأزمة وحدود الانخراط فيها ، كما وجدت دول حليفة

لواشنطن في المنطقة نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد فهي تدرك خطورة اتساع رقعة الحرب على أمنها

واستقرارها واقتصادها ، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع تجاهل الضغوط الأمريكية أو انعكاسات الصراع على توازنات

الإقليم وهكذا بدلاً من أن تدفع الحرب إلي تماسك التحالفات الغربية كشفت عن فجوات متزايدة في الثقة وتباين في

الأولويات!

وتزداد المعضلة تعقيدًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس بعد أربعة أشهر فقط فترامب يدرك أن الناخب

الأمريكي لا يقيس نجاح الرؤساء بعدد الصواريخ التي أطلقت وإنما بحجم الإنجازات التي تحققت وكلفة تلك الإنجازات

على الاقتصاد والأمن القومي ، وكلما طال أمد الحرب ارتفعت فاتورتها السياسية والاقتصادية واتسعت مساحة

الهجوم التي سيستغلها خصومه الديمقراطيون في معركة الانتخابات .

ولذلك لا يبدو أن الرئيس الأمريكي يبحث الآن عن نصر عسكري بقدر ما يبحث عن مخرج سياسي يستطيع تقديمه

للناخب الأمريكي باعتباره إنجازًا يحفظ ماء الوجه ويجنبه أن يسجل التاريخ اسمه بوصفه الرئيس الذي وعد بإخماد

الحرائق فإذا به يضيف إلى العالم حريقًا جديدًا.

لكن الحروب لا تعترف بالحسابات الانتخابية ولا تمنح قادتها حق اختيار لحظة النهاية ولهذا يبدو ترامب اليوم كمن

يبحث عن قطة سوداء في غرفة حالكة الظلام.. والمفارقة الأكبر أن القطة ليست موجودة أصلا !

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.