” جمهورية الشبشب ” .. قصة قصيرة للإعلامي محمود عبد السلام 

الإعلامي محمود عبد السلام
تثاءب في كسل، رافعا يديه إلى أعلى ومقوساً ظهره، فاغراً فاه، ثم تقلب في مكانه. جلس القرفصاء مستنداً إلى ظهر السرير. أنزل قدميه ببطء إلى الأرض، وراح يحركهما في اتجاهات مختلفة باحثاً عن “الشبشب الزنوبة” ..وجد فردة واحدة، أما الأخرى فاضطر أن ينزل بنفسه تحت السرير باحثاً عنها.
كان الظلام دامساً فتحسس بيده المكان دون أن يهتدي إليها.. أحس أن اليوم قد بدأ وأنه استيقظ تواً من النوم.
نهض وأمسك بهاتفه المحمول وأضاء مصباحه مسلطاً الضوء القوي على الظلام الراكد تحت السرير .. فجأة وجد فأراً كبيراً يمسك بفردة الشبشب البلاستيكية بين أسنانه ويستمتع بمضغها.
أفزعته المفاجأة فاصطدمت رأسه بحرف السرير، فانفجر الدم من مؤخرة رأسه.. أحس بدفء الدم المنساب على رقبته وظهره.. توجه إلى المطبخ مسرعاً قبض على علبة البن، أخذ حفنة منها ودسها في الجرح المفتوح ، ثم خرج إلى الصالة مستلقياً على الفوتيه.. تحسس الجرح منتظراً أن يتوقف نزيف الدم
خرج الفأر من تحت السرير يسير ببطء حتى وصل إلى فردة الشبشب الأخرى حاول بأسنانه أن ينزعها من قدم الرجل لكنه فشل. فانقض على القدم يعضها بشراسة.
انتفض الرجل من مكانه يجري نحو باب الشقة تاركاً فردة الشبشب للفأر يستمتع بأكلها .. فتح الباب وهو يصرخ والدماء تسيل من قدمه ومن رأسه
انغلق الباب من الداخل وتجمع الجيران على صراخه، وهالهم منظر الدماء .. حاولوا تهدئته وقدموا إليه الماء والإسعافات الأولية ، ونصحوه بالذهاب إلى المستشفى للتطعيم
عاد في منتصف الليل مثخناً بالجراح وآثار حقن التطعيم على بطنه.. وقف أمام باب الشقة يملؤه الغيظ ، ففي أثناء
هروبه من الفأر تجاوز عتبة الباب وانغلق الباب من الخارج والمفتاح بالداخل ! أين سيقضي هذه الليلة حتى يطلع
النهار ويستقدم نجاراً يفتح له الباب؟
في الصباح، بعد أن فتح له النجار الباب، نصحه باستقدام قط ليقتل الفأر أجرى عدة مكالمات هاتفية باحثاً لدى
أصدقائه عن قط حتى وجد واحداً .
جاءه القط محمولاً في قفص صغير، كأنه أمل أخير هبط من السماء.. مد يده المرتجفة ليفتح الباب الحديدي للقفص،
فخرج القط متبختراً، عيناه تلمعان كبريق سكين في ليل معتم.. لم يكن قطاً عادياً.. كان أسود حالكاً، كليلته التي
قضاها على السلم ، وندبة قديمة تشق وجهه من معركة لا يعلمها إلا الله.
صاح الرجل بصوت متهدج إلى القط: “خلصني منه.. خلصني من هذا الكابوس”. وأشار بإصبع مرتجف نحو غرفة النوم،
حيث يقبع العدو تحت السرير يتربص به كقدر محتوم.
تقدم القط ببطء مهيب، كل خطوة تدق كطبول حرب في أذن الرجل المنهك. سكنت الأنفاس. مرت لحظة كأنها دهر.
ثم دوى صراع مكتوم تحت السرير .. مواء شرس وخربشة، وصوت ارتطام جسد بجسد.
كتم الرجل أنفاسه، وضغط على جرح رأسه الذي عاد ينزف من شدة التوتر !
ساد صمت قاتل. خرج القط من تحت السرير يمشي على مهل، وفي فمه.. فردة الشبشب الزنوبة الممضوغة.
وضعها عند قدمي الرجل السليمة ، ونظر إليه نظرة طويلة فيها عتاب الدنيا كلها ثم التفت ومضى نحو الباب المفتوح،
وخرج دون أن يلتفت خلفه .
جرى الرجل خلفه يصرخ: “والفأر؟! أقتلته؟!”..لكن القط كان قد ابتلعه ظلام السلم ..
عاد إلى شقته يرتجف وحمل فردة الشبشب كمن يحمل بقايا ابنه الشهيد. نظر تحت السرير فلم يجد أثراً للفأر. هل
قتله القط ورماه؟ هل هرب؟ هل كان موجوداً أصلاً؟
انهار على الفوتيه، وضم فردتي الشبشب إلى صدره؛ فردة سليمة، وفردة نهشها الزمن والفأر مثله تماماً.. نصف
سليم ونصف ينزف ذكرى .. بكى. بكى بحرقة رجل هزمه شبشب وفأر وباب مغلق وفي نشيجه سمع صوتاً خافتاً من
تحت السرير.. صوت قضم واهن .. رفع عينيه إلى السقف وأدرك أن المعركة لم تنته وأن بعض الجروح لا يوقفها البن،
وبعض الليالي لا يطلع لها نهار !
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.