هناك لحظات فارقة في تاريخ الأمم، لا يجوز فيها النظر إلى الأحداث بعين العاطفة وحدها، بل بعين الجغرافيا السياسية وحسابات الأمن القومي والمستقبل.
فإذا ما تم التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، فإن المنطقة كلها ستدخل مرحلة جديدة، مختلفة تمامًا عما قبلها. وسيظهر فراغ استراتيجي كبير في الخليج، خاصة بعد أن أدركت دول المنطقة أن الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية لم يعد ضمانًا كافيًا للأمن والاستقرار، خصوصًا بعد استهداف عدد من القواعد الأمريكية وعجزها عن توفير الردع الكامل.
ومن هنا، قد يصبح وجود قوة عربية مشتركة، أو قوات مصرية ذات طابع ردعي أو لحفظ السلام، جزءًا من ترتيبات الاستقرار الجديدة في المنطقة، ليس باعتبارها قوات “مرتزقة” كما يحاول البعض الترويج، بل باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للعقيدة المصرية التي تعتبر أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.
إن تصوير أي دور مصري عربي مشترك على أنه “ارتزاق” يخدم بالأساس أجندات تسعى لإبعاد مصر عن محيطها ودورها التاريخي في المنطقة، وإثارة الرأي العام ضد أي تحرك يعيد التوازن العربي المطلوب.
لقد أثبتت مصر منذ بداية الحرب أنها تتبنى موقفًا متزنًا، رافضًا للحرب والتصعيد، ومدركًا في الوقت نفسه لحجم الأخطار التي تهدد الجميع، سواء على مستوى الاقتصاد أو التجارة أو قناة السويس أو السياحة أو استقرار المنطقة بالكامل.
ولذلك، فإن اللحظة الحالية ربما تكون مناسبة لإعادة التفكير في مفهوم “القوة العربية المشتركة”، بعد أن تعلمت دول الخليج درسًا قاسيًا حول طبيعة التحالفات الدولية وحدود الاعتماد على القوى الخارجية.
والوحدة الحقيقية لا تقوم على التشابه، بل على التكامل. فلا يوجد “أعلى” و”أدنى” بين الشعوب العربية، وإنما توجد أدوار متكاملة تصنع القوة والاستمرار.
ولعل تجربة مصر القديمة تقدم نموذجًا عظيمًا لذلك؛ فالوحدة بين جنوب مصر وشمالها منذ آلاف السنين لم تقم على التطابق، بل على الاختلاف والتكامل. فالصعيد بعمقه الاستراتيجي وطبيعته الصلبة، والدلتا بخصوبتها واتساعها، شكّلا معًا دولة واحدة صنعت الحضارة والتاريخ. فالمحارب لا يستطيع أن يعيش دون الفلاح، والفلاح لا يمكنه أن يحيا بلا من يحمي الأرض.
وكما كان النيل شريان الوحدة بين الجنوب والشمال، فإن المصير المشترك اليوم يجب أن يكون أساس أي مشروع عربي حقيقي يحفظ الاستقرار ويمنع انهيار المنطقة.
إن الأمم التي تفقد وحدتها تفقد دورها، والأمم التي تدرك لحظتها التاريخية تصنع مستقبلها.