” حتّة الحشيش” .. قصة قصيرة للإعلامي محمود عبد السلام 

الإعلامي محمود عبد السلام

أخذ نفساً طويلاً من الجوزة التي يحملها بين يديه، ثم أعاد رأسه إلى الخلف كأنه يلقي بكل تعب اليوم خلف ظهره. أعاد رأسه إلى الأمام وهو يخرج دخاناً أزرق كثيفاً من أنفه، ثم تنحنح واعتدل في جلسته على الكنبة البلدي وقال:

ـ عارفة يا بت يا مستورة، أنا لو من رئيس الحكومة لأوزع الحشيش على بطاقات التموين… بالك…

ـ أيوة يا سي صابر.

ـ السادات الله يرحمه رجع أرضنا إزاي؟

ـ إزاي يا سي صابر؟

ـ الأستاذ زكي مدرس التاريخ حدانا في المدرسة قال لي وأنا بحط في إيده قرش الحشيش، إن السادات ذات نفسه كان بيحط الحشيش في البايب بتاعه، وبعدين يسحب السحبة ويطلع بأفكار جديدة لانج. وفي مرة من المرات دي، شد من البايب بتاعه نفس جامد، النفس ضرب في نفوخه، قام طالع تاني يوم على إسرائيل وقال لهم: “تدونا أرضنا تاخدوا السلام”.

ردت مستورة:

ـ والنبي صحيح يا سي صابر… أومال بيقولوا على الحشيش حرام ليه؟

عاد صابر إلى الجوزة ليأخذ نفساً عميقاً بقوة وهو ينظر إلى الفحم وقطعة الحشيش الموجودة على حجر الجوزة. توهج الفحم وتحول لونه إلى البرتقالي المائل للحمرة، ثم بدأ في الطقطقة واشتعل. رفع صابر نظره عن حجر الجوزة وهو يخرج شلالاً من الدخان عبأ هواء الغرفة، وقال:

ـ يعني يا بت يا مستورة، ربنا هيسيب كل الناس الهاي دي اللي بتشرب خمرة في الفنادق الكبيرة، وتضيع فلوس الغلابة اللي سرقوها من عرقنا وعرق الشعب، ويحاسبني على حتة حشيش بنزرعها وسط البرسيم نشربها آخر الليل عشان ننسى المرار اللي شاربينه؟ وبعدين يا مستورة، الخمرة هي اللي اتحرمت في القرآن. الأستاذ التايب مدرس الدين قال لي وهو قاعد آخر مرة معايا بنشرب، إن ربنا لو عايز يحرمه كان قالها صريحة، يعني هو ربنا هيخاف من حد؟

ـ وصحتك يا سي صابر؟

ـ مالها صحتي يا مستورة؟ بمب، ولا انتِ نسيتي ليلة امبارح؟

كان الدخان قد ملأ الحجرة الصغيرة بسبب الأنفاس المتلاحقة التي يسحبها صابر من الجوزة، فصنع شبورة كثيفة. استنشقت مستورة الكثير منها، وبدأ المخدر يسري في جسدها رويداً رويداً حتى اكتمل السطل معها.

قال صابر:

ـ ما تقومي يا بت تعملي كوبايتين شاي، خلي النفسين يعمروا في نفوخي.

حاولت مستورة الوقوف لكنها فشلت، فأصابتها نوبة من الضحك المتواصل.

ـ بتضحكي على إيه يا مزغودة؟

واصلت مستورة الضحك وهي تتمايل في جلستها. نظر إليها صابر طويلاً ثم انفجر في الضحك هو الآخر. لم يعرفا كم من الوقت مر وهما في هذه الحالة من الضحك المتواصل. ثم بدأ صوت ضحكاتهما يخبو قليلاً قليلاً حتى صمتا تماماً. ساد سكون طويل، ثم قطعه صابر، فتنحنح وبصق وقال:

ـ عارفة يا مستورة، أنا كل يوم أقوم من النوم حاسس إن حجر كبير فوق صدري. ودماغي فيها ميت حاجة بتطحن راسي. ببقى عايز أقوم أهج، أجري في الغيطان لحد ما أوصل الرياح الكبير، أرمي نفسي فيه وأنزل ما أطلعش تاني. ساعتها محدش هيبقاله حاجة عندي، لا العمدة ولا غيره… ونتقابل كلنا في الآخرة، نقف بين إيدين رب عادل كريم، يدي كل واحد حقه. اللي الحكومة واكلاه. وكل ما نيجي أنا واللي زيي نتكلم، يهددونا بالمركز والبيه الظابط. هو يعني المركز ولا الظابط هيعملوا لنا إيه أكتر من اللي إحنا شايفينه؟

قالت مستورة:

ـ حرام يا سي صابر تعمل في نفسك كده.

نظر صابر إلى مستورة وتأملها طويلاً وقال:

ـ عارفة يا بت، أهي حتة الحشيش اللي بحرقها كل ليلة دي هي اللي مصبراني على القهر اللي إحنا فيه ده.

مد صابر يده إلى مستورة وجذبها نحوه، وراحا في عناق طويل امتد حتى الصباح.

تسللت أشعة الشمس الساخنة من شقوق الحجرة المتهالكة، وامتدت إلى وجه مستورة. كان تأثير المخدر ولقاء الليلة الفائتة قد أخذا من نشاطها. بهدوء تساندت على حائط الحجرة ثم فتحت عينيها بصعوبة، فلم تجد صابر في الغرفة. وقبل أن تبدأ في البحث عنه، تناهى إلى سمعها أصوات أهل القرية يتناقلون خبراً عن غريق فى الرياح الكبير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.