الإعلامي محمود عبد السلام يكتب : كأنّهُ كان…

محاكاه لأغنية شتا غناء منير شعر كوثر مصطفى

الإعلامي محمود عبد السلام
توقف الزمن منذ زمن عن إرسال المفاجآت. قلّما يطرق الباب أحدٌ من الناس، أو يأتي خطاب يحمل بشرى، أو حتى خبراً غير سار. كأن الكوكب توقف عن الدوران، والتزم الجميع الصمت. طلب من سائق الأتوبيس أن يتمهل عند دوران شبرا. خطا خطوات وئيدة مهتزة، متحاملاً على عصا تشبه علامة استفهام. كان الليل في أوله ينسج خيوطه بإحكام حول أطراف أشعة شمس المغيب. دقائق ويصل إلى المقهى الذي يجاور منزلهم القديم قبل أن يتزوج وينتقل إلى حي آخر في جنوب العاصمة.
ورث مقعده على هذا المقهى عن أبيه الذي ورث المقعد نفسه عن أبيه، ومن قبل عن جده. ثلاثة أجيال تعاقبت على المقهى نفسه، تجلس على الكرسي ذاته في زاوية النافذة ذات الزجاج الملون المطلة على الناصية الأخرى من شارع جانبي. حاول كثيراً أن يصطحب ابنه معه ليمنحه شرف إرث هذا الكرسي الذي ورثه كابراً عن كابر منذ عدة أجيال، لكنه كان يتهرب منه في اللحظات الأخيرة متعللاً بحجج واهية. حتى جاء يوم تتبع أثره، فوجد ابنه يتسلل هو وأصدقاؤه إلى مكان مغلق ومظلم. وعندما اقتحم عليهم المكان، وجده بين عدد كبير من الشباب يجلسون أمام شاشات كبيرة تعرض مباريات لكرة القدم، يحركّون الكرة من خلال مقود في أيديهم. لم يفهم لحظتها ما يحدث، لكن الأيام علمته بعد ذلك أن ما تعلمه من لعب الكرة الشراب في شوارع شبرا القديمة انتهى منذ عقود، وأن اللعب على الشاشات وتحت الكباري على النجيلة الصناعية أصبح هو السائد الآن.
بعد جهد جهيد وصل إلى مقعده الذي وجده خالياً. لا أحد سواه يأتي إلى المقهى مبكراً هكذا مثله. أحضر له صبي المقهى الشاي وعوداً من النعناع الذابل وكوباً آخر صغيراً فيه قليل من السكر أصابه البلل فمال لونه إلى الاصفرار وتماسك في بعضه. نظر حوله فلم يعرف أحداً، ولا أحد تعرف عليه. كل يوم في هذا التوقيت يأتي ليجلس في المكان نفسه، تتردد عينه ما بين مدخل المقهى والشارع، كأنه ينتظر شخصاً يأتي من المجهول، يقطع مسافة في الزمن، يأتي من زمن أبعد من هذا الزمن، يحمل معه شيئاً جديداً معبقاً برائحة الأصدقاء وليالي الزمن الجميل.
توقفت ساعة اليد عند السابعة تقريباً. لم تتحرك عقارب الساعة من مكانها منذ أن نظر إليها آخر مرة. هز يده بقوة ثم
رفع معصمه حتى أذنه محاولاً التأكد من أن ساعة يده تسير سيرها الطبيعي. استمع إلى دقاتها لكنه لم يسمع
سوى ضجيج الشارع. نظر حوله يتطلع إلى أقرب جالس جواره ليسأله عن التوقيت، فلم يجد أحداً حوله. انتهز فرصة
مرور النادل بجواره وسأله: الساعة كام يا ابني؟
تيجي زي ما تيجي يا عم الحاج، تفرق في إيه!؟
أطرق قليلاً ثم رفع رأسه فلم يجد أحداً أمامه، كأنه كان يحدث نفسه.
عاد بظهره إلى الكرسي الخشبي المتهالك، فأصدر أنيناً يشبه أنين صدره. وضع يده على الزجاج الملون فوجده بارداً
كالقبر. مرت دقائق، ربما ساعات، لم يعد يفرق. الشارع يضج والناس تمر، لكن لا أحد يراه. كأنه شبح من زمن
منسي.
لمح ظلاً يقترب من باب المقهى. انتفض قلبه. أخيراً؟ هل أتى أحد من رائحة الزمن الجميل؟ دقق النظر. كان شاباً
يرتدي سماعة كبيرة ويحدق في شاشة هاتف مضيئة. دخل، ألقى نظرة سريعة على المقهى الفارغ، وعلى العجوز
الوحيد في الركن، ثم خرج دون كلمة.
ابتسم بمرارة. سحب عود النعناع الذابل من كوب الشاي الذي برد تماماً. وضعه بين شفتيه الجافتين فلم يجد له
طعماً. تذكر أن ابنه لم يعد يرد على الهاتف منذ ثلاثة أيام. “مشغول يا حاج، أكلمك بعدين” كانت آخر جملة سمعها
منه.
مد يده إلى جيبه يبحث عن دواء القلب. أخرج العلبة. فارغة. كان قد نسي أن يشتري غيرها. شعر بوخزة تعرفها
ضلوعه جيداً. الوخزة التي تأتي قبل أن يظلم كل شيء.
نظر مرة أخيرة للنافذة الملونة. رأى فيها وجه أبيه، ووجه جده، وكل الأجيال التي جلست هنا. كانوا يلوحون له من
خلف الزجاج. مد يده ليلمسهم، فسقطت العصا التي تشبه علامة الاستفهام على الأرض محدثة دوياً لم يسمعه
أحد.
في صباح اليوم التالي، جاء صبي المقهى ليفتح المكان. وجد الكرسي في الزاوية شاغراً لأول مرة منذ عقود. على
الطاولة كوب شاي بارد، وعود نعناع ذابل، وساعة يد متوقفة عند السابعة تقريباً.
بعد ما ادى و بعد ما خد
بعد ما هد و بنى و احتد
شد لحاف الشتا من البرد
بعد ما لف و بعد ما دار
بعد ما هدا و بعد ما ثار
بعد ما داب و اشتاق و احتار
حط الدبله و حط الساعه
حط سجايره و الولاعه
علق حلمه على الشماعه
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.