دكتور هاني عمر الناظر يكتب: الحرب شبه النووية والرهان على الدبلوماسية المصرية

بعد نحو 39 يوما من نزيف الاقتصاد العالمي، وتصاعد موجات القلق والترقب إزاء تداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، جاء إعلان هدنة لمدة أسبوعين كتحول لافت في مسار الصراع، ونافذة اضطرارية لإفساح المجال أمام المسار الدبلوماسي.
الهدنة ليست مجرد استراحة مؤقتة للعمليات العسكرية، بل تعكس إدراكا متزايدا لدى الأطراف المنخرطة بخطورة الانزلاق نحو سيناريوهات أكثر تعقيدا، خاصة مع اقتراب المواجهة من شبح حرب نووية.
هذا التطور لم يقتصر تأثيره على أطراف الصراع المباشرين، بل امتد ليشمل الإقليم بأكمله، حيث تحولت حالة القلق إلى هاجس جماعي لدى دول المنطقة، في ظل ترابط المصالح وتشابك الجغرافيا السياسية.
ومن هنا، تكتسب هذه اللحظة أهميتها بوصفها نقطة اختبار حقيقية لقدرة الدبلوماسية على احتواء التصعيد، وإعادة ضبط التوازنات قبل أن تتجاوز الأزمة حدود السيطرة.
مزيج معقد من النجاحات والإخفاقات
ومع دخول هدنة الأسبوعين حيز التنفيذ، هناك دروس يجب ألا تمر دون الاستفادة منها، أولها: أن هذه الحرب لم تفرز حتى الآن منتصرا مطلقا، بقدر ما كشفت عن مزيج معقد من النجاحات والإخفاقات لدى طرفيها.
فبينما تمكنت القوات الإسرائيلية والأمريكية من توجيه ضربات مؤثرة واغتالت الكثير من القادة الإيرانيين،
إلا إنها لم تنجح فى تحقيق الهدف الأساسى والمعلن من الحرب بإسقاط النظام الإيرانى،
في حين استطاعت إيران، رغم حجم الخسائر، الحفاظ على قدر معتبر من قدرات الردع وأصابت أهدافا عسكرية أمريكية وإسرائيلية
كشفت قدرتها على إلحاق الضرر بهما وبمصالحهما بالمنطقة.
وتؤكد هذه النتيجة أن طبيعة الصراعات الحديثة باتت أكثر تركيبا وتشابكا، حيث لم تعد المواجهات تحسم بالأدوات العسكرية وحدها،
بل تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والسيبرانية والإعلامية، بما يجعل تحقيق نصر حاسم وشامل أمرا بالغ الصعوبة.
القوة العسكرية ليست دائما الخيار الحاسم فى إدارة الصراع
هذه الحرب أكدت أن القوة العسكرية ليست دائما الخيار الحاسم فى إدارة الصراع، مهما بلغت دقتها أو تفوقها التكنولوجي،
حتى الضربات الاستباقية، ربما تحقق نجاحا تكتيكيا، لكن لا تضمن بالضرورة نتائج سياسية حاسمة،
وهناك فجوة بين “القدرة على الضرب” و”القدرة على الحسم” مما يعيد الاعتبار للدبلوماسية كأداة موازية لا غنى عنها
لضبط مسار الصراعات ومنع انفلاتها.
وهو ما يثبت صواب النهج الذي تبنته الدبلوماسية المصرية، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، والتي اتخذت من المسار التفاوضي
خيارا استراتيجيا لحل النزاعات، ليس تجنبا للمواجهة بقدر ما هو إدراك عميق لتعقيدات الصراعات الحديثة،
التي لا تحسم عسكريا فقط، بل تحتاج إلى إدارة سياسية ودبلوماسية واعية.
الحفاظ على الأمن القومي العربي
وفي هذا السياق، برزت مصر كفاعل إقليمي رئيسي، نجح في ترسيخ حضور متوازن يقوم على دعم الاستقرار الإقليمي،
والحفاظ على الأمن القومي العربي، من خلال تحركات دبلوماسية نشطة خلال الأزمات المتلاحقة،
وهو ما توج بالشكر الذى تقدم به رئيس الوزراء الباكستانى شهباز شريف لمصر لدورها البارز فى وقف عجلة الحرب والعودة لصوت الدبلوماسية،
كما غرد الكاتب الأمريكي الإسرائيلي باراك رافيد على منصة X قائلا: “باكستان كانت في واجهة جهود الوساطة، لكن خلف الكواليس
لعبت مصر دورا مهما في ردم الفجوات بين الولايات المتحدة وإيران.. وكانت مصر عنصرا أساسيا في التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة،
وكذلك في وقف إطلاق النار مع إيران كما ساهمت تركيا أيضا في هذه الجهود”.
لتؤكد هذه التجربة أن مصر، بما تمتلكه من ثقل سياسي وتاريخي، ما زالت قادرة على لعب دور “صمام الأمان” في محيط مضطرب،
عبر تبني سياسات تتسم بالاتزان الاستراتيجي، وتوازن دقيق بين امتلاك القوة والقدرة على توظيفها،
وبين تغليب الحلول السياسية باعتبارها المسار الأكثر استدامة لضمان الأمن والاستقرار في المنطقة.
الردع لم يعد مفهوما ثابتا
ثاني الدروس يتمثل في أن الردع لم يعد مفهوما ثابتا، بل عملية ديناميكية تتشكل باستمرار، فإيران، رغم ما تعرضت له من ضربات،
نجحت في الحفاظ على قدر من التوازن عبر قدرتها على الرد وإيصال رسائل استراتيجية للخصم، هذا يعني
أن الردع لم يعد قائما على منع الفعل، بل على إدارة كلفته ،وبالتالي، فإن أي مقاربة دبلوماسية فعالة
يجب أن تنطلق من فهم عميق لهذه المعادلة، لا الاكتفاء بقراءة سطحية لموازين القوة.
الحرب أظهرت أن الدعم الخارجي، مهما بدا قويا، يظل مشروطا بحسابات المصالح، وهو ما يعيد طرح سؤال الاستقلال الاستراتيجي للدول الإقليمية،
وإعادة صياغة منظومة الأمن في الشرق الأوسط، فلم يعد ممكنا التعويل على النماذج التقليدية، سواء تلك القائمة على التحالفات الثنائية،
أو الارتهان الكامل لقوى خارجية، فما بعد هذه الحرب يفرض مراجعة شاملة لهذه الترتيبات، بعدما أثبتت الوقائع
أن التهديدات لم تعد تدار بالوكالة وحدها، وأن معادلات الردع الفعالة باتت تتطلب امتلاك أدوات ذاتية أكثر قدرة وتأثيرا،
وهذه المراجعة لم تعد خيارا سياسيا، بل ضرورة استراتيجية أملتها طبيعة التحولات الجارية، وهو ما يفرض على دول الإقليم
ضرورة الحد من الاعتماد المفرط على الحماية الخارجية، لما يحمله ذلك من مخاطر على استقلال القرار السيادي،
ويجعل الدول أكثر عرضة للضغوط والابتزاز الاستراتيجي، خاصة في لحظات التحول والأزمات.
وعلى المستوى العربي، تطرح هذه الحرب تساؤلا حاسما بشأن مستقبل العمل العربي المشترك،
إعادة صياغة آليات التعاون الأمني والسياسي
فإذا كانت الدول العربية تسعى لامتلاك تأثير حقيقي في النظام الدولي، فإن ذلك يقتضي إعادة صياغة آليات التعاون الأمني والسياسي
على أسس أكثر تكاملا وفاعلية ، ولم يعد مقبولا أن تظل جامعة الدول العربية في إطارها التقليدي كمنصة للتنسيق الشكلي، بل باتت الحاجة ملحة لإعادة هيكلتها بما يمكنها من مواكبة التحولات المتسارعة، فالتكامل العربي لم يعد خيارا سياسيا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة بيئة دولية تتسم بتصاعد التنافس وتشابك المصالح.
كما كشفت هذه الحرب بوضوح أننا نواجه تحديا حقيقيا يتمثل في غياب إطار جامع للوعي العربي في ظل التحولات المتسارعة، فتشكيل الرأي العام لم يعد حكرا على وسائل الإعلام التقليدية، بعدما فرضت مواقع التواصل الاجتماعى نفسها كفاعل رئيسي، لكنها في الوقت نفسه عمقت حالة الانقسام والتباين.
وأمام هذا الواقع، يصبح من الضروري الانتقال من ردود الأفعال المتفرقة إلى عمل مؤسسي منظم، تشارك فيه الجهات الإعلامية والكيانات المهنية، لصياغة رؤية خطابية أكثر تماسكا، قادرة على التعامل مع التحديات بقدر من الإدراك والاتزان، مع تجنب الانزلاق وراء حملات التضليل، فالصراع في صورته الراهنة لم يعد يقتصر على ساحات المواجهة المباشرة، بل امتد ليشمل ميدان الوعي، حيث تصبح القدرة على التأثير في العقول عاملا حاسما في توجيه مسارات المستقبل.
في النهاية، تؤكد هذه الحرب أن العالم يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى،
وفي عالم يتغير بهذه السرعة، يبقى الثابت الوحيد هو أن من يمتلك رؤية واضحة، وأدوات مرنة، وقدرة على التكيف، هو وحده القادر على البقاء في دائرة التأثير، أما من يكتفي برد الفعل، فمصيره أن يتحول إلى مجرد متلق لنتائج لم يشارك في صنعها.