الكاتب الصحفي عبدالرازق توفيق يكتب : هل وقع الطلاق بين أمريكا وأوروبا؟

الكاتب الصحفي عبد الرازق توفيق
منذ أن دخل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب البيت الأبيض فى يناير 2025 فى ولايته الثانية، والعلاقات الأمريكية ــ الأوروبية تمر بمنعطف خطير، ووجود فجوة عميقة وخلافات واضحة، وتباين فى السياسات، ونبرة استعلاء أمريكية يقودها الرئيس ترامب على القارة العجوز ناهيك عن تهكمات وسخرية لا تتوقف.. وباتت العلاقات بين الطرفين فى أسوأ حالاتها، حيث رفضت الدول الأوروبية الانصياع للمطالب والمواقف الأمريكية.. وتشعر أوروبا بخيبة أمل فى ترامب خاصة فى ظل مواقفه تجاه الحرب «الروسية ــ الأوكرانية»، وشبهة انحيازه للرئيس الروسى فلاديمير بوتين، وهو ما كشفته المسودة الأمريكية المقترحة لإبرام اتفاق بين روسيا وأوكرانيا نصت على تنازل أوكرانيا عن أراض احتلتها روسيا بحكم الأمر الواقع، بالإضافة إلى رفض واشنطن دعم الحرب الأوكرانية ضد روسيا، اعتبار أن ما حصلت عليه أوكرانيا من أموال أمريكية ديونا يجب سدادها وتوصل لاتفاق باقتسام المعادن النادرة فى كييف تعويضا عن هذه الديون، ثم جاءت قرارات ترامب بفرض رسوم جمركية على صادرات الاتحاد الأوروبى للولايات المتحدة اعتبرتها بروكسل مبالغا فيها، وهددت بعض الدول بالمعاملة بالمثل، بالإضافة إلى نبرة ترامب الاستعلائية وتهديدات برفع مظلة الحماية عن بعض الدول الأوروبية وسحب القوات الأمريكية من ألمانيا، وبعض الدول الأخري.. وهو ما أظهر أصواتا أوروبية تقودها فرنسا بإنشاء قوة دفاع وحماية أوروبية، وهو اتجاه يعود لسنوات قاده الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون لكن واشنطن فجرت الداخل الفرنسى باحتجاجات ومظاهرات السترات الصفراء، ثم إلغاء عقود تصدير أسلحة فرنسية بأكثر من 50 مليار يورو وفى ظل تردد بعض الدول الأوروبية من العقاب الأمريكي، تراجعت الفكرة إلا أنها طفت على السطح وبقوة مع قدوم ترامب للبيت الأبيض ومواقفه ضد أوروبا، واتخذت بعض الدول موقفًا واتجاهًا نحو إنشاء جيوش وطنية وتخصيص ميزانيات ضخمة لإعادة التسليح وتتصدر ألمانيا هذا الاتجاه.
لم يتوقف الأمر عند ذلك، ولكن جاءت مواقف بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا وأسبانيا من العدوان الصهيونى على قطاع غزة واتساع رقعة الصراع، لترفض العدوان الإسرائيلى على الفلسطينيين، وبادرت بالاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، ناهيك عن تصريحات ومواقف حاسمة تجاه العدوان تتهم الكيان بالإبادة الجماعية لشعب أعزل ولعل الموقف الأسبانى بقيادة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز يعد موقفًا تاريخيًا سواء بالاعتراف بالدولة الفلسطينية أو المواجهات الحادة مع الإسرائيليين والأمريكان واتهامات واضحة.
أوروبا بدأت تأخذ مواقف أكثر صرامة، سواء فى الاستقلال الدفاعى الذاتى عن أمنها ومصالحها أو رفض المطالب الأمريكية والتصدى لها وهو ما بدا فى الموقف الأوروبى تجاه اطماع ورغبة الرئيس ترامب فى احتلال والسيطرة على جزيرة «جرين لاند» وإعلان التحدى والاستعداد لمواجهة هذا المخطط، وربما لا يتخيل البعض الرفض الأوروبى فى التدخل والهجوم الأمريكى فى فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته وأن ما ترتكبه واشنطن يخالف القانون الدولى ، ويعد انتهاكًا لسيادة الدول ترفضه أوروبا.
جاء الهجوم «الصهيو ــ أمريكى» على إيران ليقطع الطريق على عودة العلاقات الأمريكية ــ الأوروبية إلى طبيعتها فقد توهم ترامب أن أوروبا ستكون معه بجيوشها بل حلف الناتو بالكامل سيرافقه فى الهجوم على طهران لتنزل الصاعقة الأوروبية على حسابات الرئيس الأمريكي، أدانت دول أوروبية الهجوم على إيران خاصة أسبانيا وفرنسا، واعتبرته مخالفا للقانون الدولى وانتهاكًا لسيادة دولة، ناهيك عن آثار هذا الهجوم على الاقتصاد العالمي، وأسعار الطاقة ومستقبل الرفاهية والتقدم الأوروبي، وهى اشد من يتعرض لوجع وألم بسبب ارتفاعات الطاقة، خاصة أن مصادر الطاقة الروسية، لم تعد كما كانت عقب نشوب الحرب بين موسكو وكييف، ثم تعطل مصادر الطاقة من الشرق الأوسط، لتصبح أوروبا بين مطرقة تداعيات الحرب الروسية ــ الأوكرانية وانقطاع العلاقات مع موسكو وسندان الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية ضد إيران لتصبح أوروبا فى موقف بل مأزق تاريخى وتبحث الآن عن سد الفجوة وتوفير احتياجاتها من الطاقة من مصادر أخري.
الهجوم المتواصل من الرئيس الأمريكى ترامب ضد الاتحاد الأوروبى بل كشفت بعض التسريبات أنه يعمل على تفتيت الاتحاد الأوروبى كما جاء فى مسودة مسربة للنسخة السابقة من إستراتيجية الأمن القومى الأمريكى لعام 2025 وأنباء عن دعم ترامب لأحزاب اليمين المتطرفة المناهضة للاتحاد الأوروبى وبات العداء بين أوروبا وأمريكا واضحًا فهل حدث الطلاق أم ان انتهاء فترة ترامب قد تعيد وترمم هذه العلاقات مع رئيس أمريكى جديد.
أوروبا، فرنسا وأسبانيا صاحبة المواقف العظيمة وإيطاليا، وبريطانيا، رفضوا المشاركة فى الحرب «الصهيو ــ أمريكية» ضد إيران، رغم دعوة ترامب الذى هدد بالانسحاب من حلف الناتو، كما رفضوا المشاركة فى فتح مضيق هرمز وتصاعد الأمر بين أوروبا وأمريكا عندما رفضت الدول الأوروبية ممثلة فى أسبانيا وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا ودول أخرى استخدام سمائها وقواعدها لاقلاع أو استقبال المقاتلات والطائرات الأمريكية التى تحمل الأسلحة والمعدات إلى إسرائيل لدعم الحرب على إيران، وإغلاق المجال الجوى فى وجه المقاتلات والطائرات الأمريكية وهو ما أصاب ترامب بالجنون، حيث أكد الأوروبيون أنهم لن ينجروا إلى حرب الشرق الأوسط وطالبوا بإيقاف وإنهاء الحرب.
ولم يقتصر الطلاق الأوروبى مع أمريكا بل امتد إلى إسرائيل حيث قررت فرنسا ايقاف مد الكيان الصهيونى بأى صفقات للسلاح والمعدات الأمنية، وإغلاق شركاتها فى باريس، وأيضا على نفس الطريقة لا يتوقف بيدرو سانشيز رئيس الوزراء الأسبانى فى اطلاق تصريحات ومواقفه النارية ضد التحالف «الصهيو ــ أمريكى» حيث وصف قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذى أقره الكنيست بأنه حلقة وخطوة جديدة لترسيخ الفصل العنصرى الذى تتبناه دولة الاحتلال.
الشرخ العميق فى العلاقات «الأمريكية ــ الأوروبية» يتزايد ويتصاعد وقد بدل وغير حسابات أوروبا التى ربما تتخذ إجراءات وقرارات ثورية فى تغيير العقيدة الدفاعية الأوروبية والبحث عن تحالفات جديدة.. وتعود بعد ترامب تحتاج عمليات ترميم وضمانات لاستعادة الثقة لكنها لن تغير من توجهات أوروبا نحو استعادة قدراتها الدفاعية وجيشها الموحد وربما يندثر الناتو إلى شكل جديد للتحالف الأوروبى فى ظل ادراك أن القارة الأوروبية تتعرض لتهديدات خطيرة من الجانب الروسى فى ظل التخلى الأمريكى بل تواجه أطماعا وتهديدات وخذلانا أمريكيا.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.