ناصر النوبي يكتب : الصقر حورس والتمساح سوبك .. وإحلال السلام

الفنان ناصر النوبي

في قلب صعيد مصر، وعلى ضفاف النيل الخالد، يقف معبد كوم أمبو شاهدًا فريدًا على فكرة عميقة تتجاوز حدود الأسطورة، لتلامس جوهر الإنسان ومعنى التعايش.
يرتبط هذا المعبد الاستثنائي بازدواجية نادرة في العقيدة المصرية القديمة، حيث كُرّس لعبادة الإله الصقر حورس والإله التمساح سوبك، في مشهد يجمع بين قوتين تبدوان متناقضتين في الطبيعة والرمزية. لكن خلف هذا التناقض الظاهري، تختبئ قصة ذات دلالة إنسانية عميقة.
تحكي الرواية أن الخلاف دبّ بين سوبك وأخيه حورس، نتيجة افتراء وظلم، ما أدى إلى اختلال ميزان العدالة. فجاءت اللعنة كعقاب لهذا الانحراف، فتحوّل القمح — رمز الحياة والغذاء — إلى ذهب، رمز الثراء العقيم الذي لا يُؤكل. وهنا تتجلى المفارقة القاسية: الوفرة التي لا تُطعم، والغنى الذي يقود إلى الجوع.

وجد سوبك وأعوانه أنفسهم على شفا الهلاك، لا ينقصهم الذهب، بل لقمة العيش.

في هذه اللحظة الحرجة، لم يعد الصراع مجديًا، ولم يعد الظلم قابلًا للاستمرار. أدرك الطرفان أن البقاء لا يتحقق إلا

بالعدل، وأن القوة الحقيقية لا تكمن في الغلبة، بل في الاتحاد. فكان الصلح، وكانت العودة إلى التوازن، حيث اجتمع

حورس وسوبك من جديد، لا كخصمين، بل كشريكين في حفظ النظام والحياة.

إن الدرس الذي يقدمه معبد كوم أمبو لا يقف عند حدود الأسطورة، بل يمتد ليصبح رسالة خالدة: أن العدالة، وإن

تأخرت، تظل الأقوى والأسرع أثرًا وأن صوت الحق، مهما خفت، قادر على إعادة الأمور إلى نصابها. كما يذكرنا بأن

التعايش ليس مستحيلاً، حتى بين أكثر الأطراف اختلافًا، وأن السلام ليس ضعفًا، بل هو أرقى أشكال القوة.

هكذا، يظل هذا المعبد شاهدًا على إمكانية المصالحة، وعلى أن الطبيعة نفسها — بكل ما فيها من صراع — يمكن

أن تنحني أمام إرادة السلام. ففي النهاية، يمكن للصقر أن يحلّق، وللتمساح أن يستقر، على أرض واحدة، إذا ما ساد

العدل، وتحقق السلام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.