إن الحقيقة العلمية لا تكفُّ عن التطور، ولا يصح ـ علميا ـ القول بأن العلم قد وصل فى قضية ما إلى نتيجة علمية نهائية، لأن التطور سرعان ما يتجاوز هذا الرأى ويفرض عليه رأى جديد، وربما فى فزياء “الجاذبية” لدى “نيوتن” الكلمة الفصل قرابة قرنين من الزمان، حتى اعتقد أنها مبلغ العلم، وأنها حقيقة مطلقة، حتى جاءت فيزياء “أينشتين” فابتلعت فيزياء نيوتن في داخلها، وتجاوزتها وأثبتَت أن ما كان يُعَدُّ حقيقة مطلقة ليس فى الواقع إلا حقيقة نسبية، أو حالة من حالات نظرية أوسع منها وأعم.
وفى هذ استند إلى مقولة المفكر فؤاد زكريا:” تحل النظرية العلمية محل القديمة وتنسخها أو تلغيها، ولكن في معظم الحالات لا تكون النظرية الجديدة بديلًا يلغى القديمة، وإنما توسعها وتَكشِف عن أبعاد جديدة لم تستطع النظرية القديمة أن تُفسِّرها أو تعمل لها حسابًا، وهكذا يكون القديم متضمنًا في الجديد، ولا يكون العالم — كالفيلسوف — عقلًا يبدأ طريقه من أول الشوط، وإنما يستمد نقطة بدايته من حيث توقف غيره”.
لذا بداية إننا لا ننكر “الهولوكوست” بالكلية إنما نخضعه لمنهحج البحث والتدقيق لتأكيده أو لنفيه، أو لإعادته إلى واقع حقيقته وحدودها التى تتفق مع أحداثها وجرياتها الحقيقية، وأبعاد جذورها التاريخية، ودلالاتها الدينية، ومعانيها اللغوية. ماذا تعنى “الهولوكوست”
أولا ما تعنى مفردة “الهولوكوست” ؟ .. لغويا كلمة “الهولوكوست” مشتقة في الأصل من الكلمة اليونانية العامية
المختلطة holokauston والتى تعنى “ذبيحة محروقة بالكامل kaustos أو هى:”أضحية محترقة مقدمة للإله”.
ونرى فى الديانة “الهلنستية” كان فيها اعتقاد بطقس دينى يقوم به الاتباع لكسب رضا آلهة الأرض والعالم السفلى
فيُتقرّب لها بحيوانات داكنة، كانت تُقدم ليلاً وتُحرق بالكامل.
كما تم اعتماد كلمة “الهولوكوست” لاحقًا فى الترجمات اليونانية للتوراة للإشارة إلى “القربان” ومن ثم فتلك المفردة
“الهولوكوست” تعنى بالترجمة اليونانية:”القربان” وفى الترجمة اللاتينينية holocaustum هولوكوستوم.
إلا إن الاستخدام الأول كان دلالةً على مذبحة سجله “قاموس أوكسفورد” الإنجليزى إلى عام 1833 ـ وذلك قبل واقعة
محارق هتلر محل البحث ـ عندما وصف الصحفى “ليتش ريتشى” حروب “لويس السابع” ملك فرنسا: “قام ذات مرة
(بهولوكوست) لثلاثمائة شخص فى الكنيسة، إذ ذهبوا للبحث عن ملجأ عندما أحرقت قوات لويس بلدة طفيترى لو
فرانسوا عام 1142″.
وعلى مستوى النصوص الأدبية، استخدم الشاعر الإنجليزى “جون ميلتون” المفردة (هولوكوست) وصفًا شعريًّا
لتضحية “طائر الفينيق” بنفسه فى قصيدته “شمشون المُعذّب” التى كتبها عام 1671
وإعلاميا في أواخر القرن التاسع عشر، استخدمت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية (الهولوكوست) عام 1895 لوصف
مذبحة “المسيحيين الأرمن”.
ومع أوائل القرن العشرين أول من استخدم هذا المصطلح هو الصحفى “ملفيل تشاتر” Melville Chater عام 1925
لوصف حرق ونهب “سميرنا” عام 1922 فى سياق الإبادة الجماعية التركية ضد “مسيحيى الأناضول”.
وعلى المستوى الأدبى فى القرن السابق نُشرت قصيدة عام 1922 بعنوان “الهولوكوست” كما صدر كتاب بعنوان
“هولوكوست سميرنا” الصادر عام 1923 تضمن الإبادة الجماعية للأرمن وتناول الحرق العمد والمذبحة التى تعرض لها
الأرمن.
وسياسيا تناول مفردة (الهولوكوست) “ونستون تشرشل” فى عام 1929 وغيره من الكتاب المعاصرين قبل الحرب
العالمية الثانية لوصف الإبادة الجماعية للأرمن فى الحرب العالمية الأولى.
وقبل الحرب العالمية الثانية، كان يتحدث السياسيون ويُشار إلى احتمال نشوب حرب أخرى على أنه “هولوكوست
آخر” (أي تكرارًا للحرب العالمية الأولى).
الا أنه من المستغرب وبشدة تناول مفردة “الهولوكوست” ذات المعنى العقائدى الدال على التضحية من أجل الرب،
وهو إجرائيا عمل تعبدى يقوم به المؤمنون به بتقديم القرابين لمحرقة الرب، فهل؟ … والسؤال هنا فى موطن التعريف
اللغوى والإجرائى للمفردة “الهولوكوست” … هل قدم هتلر وجنرالاته المسيحيون إلى ربه “قرابين” فى اعتقاد يهودى
يخالف عقيدته المسيحية؟ … وهل تقدم اليهود بأنفسهم طواعية للمحرقة كقرابين للرب؟ أليس فى هاتين
الفرضيتين استثارة علمية للعقل أن يبحث ويدقق، لغويا وهجائيا، واجرائيا، فى معنى ودلالة الاصطلاح المستخدم