ناصر النوبي يكتب : في أسبوع الآلام بأوروبا والغرب ،!!

الفنان ناصر النوبي
حيث تتجدد معاني التضحية والرحمة والفداء، يبرز التناقض صارخًا بين رسالة السيد المسيح القائمة على المحبة، وبين سلوكيات تُرفع فيها شعارات القوة والهيمنة باسم الدين أو الحضارة.
فما نراه اليوم، في خطابات مثل خطابات دونالد ترامب، لا يحمل من روح الإنجيل شيئًا، بل يعكس توجّهًا أقرب إلى استدعاء الخوف، واستثمار الغضب، وتحويل السياسة إلى ساحة صراع بدائي، تُقاس فيه القوة بمدى القدرة على الإخضاع، لا على الإقناع.
إنها ليست مجرد سياسات، بل حالة ذهنية تُعيد إنتاج التاريخ في أكثر صوره قتامة، حيث يتحول الإنسان إلى رقم، والأرض إلى غنيمة، والعدالة إلى شعار يُرفع حين يخدم المصالح ويُلقى جانبًا حين يتعارض معها.
وإذا كان التاريخ قد عرف نماذج من مدّعي الحقيقة والحق المطلق، مثل مسيلمة الكذاب، فإن ما يحدث اليوم يعيدنا إلى ذات الفكرة: توظيف الخطاب الديني أو الأخلاقي لتحقيق مكاسب دنيوية، وتزييف الوعي الجمعي عبر خطاب شعبوي يخلط بين الخلاص والسيطرة.
وفي هذا السياق، يظهر تحالف المصالح مع شخصيات مثل بنيامين نتنياهو، حيث تتقاطع الرؤى حول فكرة “السلام
بالقوة”، وهي عبارة تبدو في ظاهرها جذابة، لكنها في حقيقتها تعني فرض الإرادة بالقهر، لا بناء السلام الحقيقي
القائم على العدل.
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط القرارات السياسية، بل إعادة تشكيل الوعي العالمي، بحيث يصبح العنف
مبررًا، والهيمنة مقبولة، والاختلاف سببًا للإلغاء لا للحوار. وهنا تكمن الكارثة: حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة،
والصدمة إلى أمر عادي.
ومع مرور الأيام، تتضح الصورة أكثر: نحن أمام خطاب يعيد العالم إلى منطق الغابة، حيث يُختزل الإنسان في قوته،
وتُختزل القيم في فائدتها. خطاب لا يرى في الآخر شريكًا في الإنسانية، بل عائقًا يجب إزالته.
لكن التاريخ، رغم قسوته، يعلّمنا شيئًا مهمًا: أن كل موجات الظلام، مهما بدت طاغية، تحمل في داخلها بذور نهايتها.
وأن الشعوب، مهما تعرضت للخداع أو الضغط، تملك قدرة فطرية على التمييز بين الحق والزيف.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس على صراع القوى الكبرى، بل على وعي الإنسان البسيط، الذي يدرك بفطرته أن
المحبة لا تُفرض، وأن السلام لا يُبنى على الدم، وأن أي مشروع يقوم على إلغاء الآخر، هو مشروع محكوم عليه
بالسقوط، مهما طال الزمن.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتعلم العالم من دروسه، أم يصر على إعادة أخطائه بثوب جديد؟
ذلك هو التحدي الحقيقي… في زمن تختلط فيه الأصوات، وتتشابه فيه الأقنعة، لكن الحقيقة تظل، رغم كل شيء،
قادرة على الظهور.
عيد سعيد علينا جميعا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.