“لا أعتقد أننى أردت شيئا فى حياتى بإلحاح قدر ما أردت قوائم الأسرى”..تعترف جولدا ـ هنا ـ أنها قد انهارت نفسيًا أمام إلحاح أسر الجنود القتلى، والأسرى، والجرحى فى معرفة أخبار أبنائهم على الجبهة المصرية، فقد غابت عنها تماما أية معلومات عن هؤلاء الجنود، حتى إنها تعترف أيضا بغضبها الشديد من المصريين، لأننا أخفينا عنها قوائم الأسرى، وبيناتهم من الأسماء والرتب والدرجات العسكرية، وغيرها من المعلومات التى كان من الممكن أن تعلنها لأمهات الجنود الثكالى الحيارى!.
“أنا شخصيًا لن أغفر للمصريين”وتستطرد”لن أغفر لهم منع هذه المعلومات أياما عنا، لمجرد سوء القصد، ولمحاولة استخدام غضب الأهالى الاسرائيليين ضدنا كورقة سياسية فى اللعبة”..البديهى هنا بعد اعتراف جولدا بإستشاطة غضبها من المصريين لأننا أخفينا عن مؤسساتها الأمنية والمخابراتية بل وعن أعوانها الأمريكان وغيرهم(!) أية معلومات عن أسراهم، وقتلاهم، وجرحاهم، وهنا من المُهم جدًا أن يستبصر القارىء طبيعة ميزان المعركة، وإلى أي جانب كانت الكفة ترجح؟ ولصالح من كان النصر؟ فلا القيادة السياسية لدولة الكيان تعلم شيئا عن جنودها، ولا قيادة جيش الدفاع تعلم شيئا عن جنودها “الأسطورة” وبالتالى كان هو الحال لأهالى القتلى، والأسرى، والجرحى، والمرضى النفسيين من جنود جيش الدفاع “الذى لا يقهر!”.
ملحوظة “المرضى النفسيين” اعترافا سيأتى إن شاء الله الحديث عنه مفصلا ضمن إعتراف المراسلين العسكريين لجيش الدفاع، الذين سطروا شهادة غريبة، وعجيبة مفادها: أن جنودهم كانوا يهرعون من الجبهة الجنوبية “سيناء” وهم مرضى نفسيين من بعد مُلاقة الجندى المصرى!.
“وأخيرا وبعد وقف اطلاق النار، وبعد شهور من المفاوضات التى إنتهت بالفصل بين القوات على الجبهتين، عاد أسرانا من مصر”..ربما كانت جولدا تصلح لأن تكون مشروع كاتبة أو قاصة، فهى تمتلك مهارة دقيقة فى اقتناص المفردات من بين غضبها، وعذابها، وآلامها النفسية ووسط الكسرة، والمذلة، وهوان الهزيمة، فهى تكتب:”وأخيرا” وما لوقع هذه المفردة من دلالة المُعاناة، ومشقة الذُل فى تكرار الاستجداء من المصريين لقوائم الأسرى الصهاينة، وما نالته بشق الأنفس، ورغم أن مانالته من المصريين يُوصمّها ـ أبدًا ـ بعار الهزيمة إلا إنها كانت ترى فى إلتقاط ما يلفظه المصريين من وريقات بها يبانات أسرى جيش الدفاع، وما يعنى هذا من دلالة الهزيمة وعارها، إلا أنه فى ذات الوقت كان مكسبًا تلهث ورائه رئيسة وزراء الصهاينة، حتى تطمأن آباء جنود الكيان الثائرين والحانقين عليها.. أية مذلة تلك التى عاناتها جولدا فى أثناء وعقب حرب أكتوبر ـ كيبور؟
حتى أنها تعترف بما فيه نصرًا سياسيًا لها عوضًا عن هزيمتها العسكرية، عندما عُقدت المفاوضات المباشرة بين
المنتصرين المصريين والمهزومين الصهاينة، وكان من أهم مطالبهم:هى الحصول على قوائم الأسرى، وربما فى ذلك
بعضًا من نصر سياسى لدولة منسحقة عسكريًا، ارتضاه المنتصر حتى يُهدىء من خفقان قلوب الأمهات الثكالى
الصهاينة، وربما فى ذلك صورة حضارية ظاهرة بجلاء لجيش يمتد فى التاريخ الإٍنسانى مع دولته لأكثر من سبعة ألاف
عامًا من الحضارة والمدنية، وهنا تفرض نفسها على الأسماع مقولة لعالم النفس اليهودى سيجموند فرويد البارزة
كنتوءات الجبال والظاهرة بجلاء كقممها من بين دفتى كتابه ـ الرائع ـ “موسى واليهود”حيث كتب لا لليهود بل للتاريخ
اعترافا علميًا من عالم لعلم النفس، وهو أيضًا شاهدًا من أهلها (!) فنظم ونثر وقال:”عقدة اليهود هى الحضارة
المصرية”..بحق أجده منصفًا، إذ يعترف بتحضر المصريين ومدنيتهم، وأن تلك المزيتين كانتا سببًا واضحًا فى تشكيل
عقدة أزلية، وأبدية لليهود كما إعترف عالمهم وابن دينهم، فقد تعاطف المصريون مع أنات قلوب الأمهات الثكالى،
وارسلوا لهم بيانات أبنائهم من القتلى، والأسرى، والجرحى، والمرضى النفسيين، ولم يعامل المصريون الصهاينة
بالمثل كما كانوا يقتلون المدنيين والجنود العزل من السلاح، ويضغطون على جروحهم حتى الموت ألمًا، كما فعلوا مع
محمد الدرة وقتلوا ابنه أمام عينه، وكما فعلوا مع طفل غزة وثقبوا قدمه بالمسمار أمام والده لينالوا اعترافا ـ غير
حقيقيا ـ ممزوجا بالألم!
بل كان المصريون هم الأروع فى تحضرهم، وأعادوا الأسرى بالبيجامات الكاستور من صناعة مصانع الغزل والنسيج
المصرى، فى مشهد لن يزول من بصر وبصيرة الأزمنة المتعاقبة، ولن ينساه وجدان الإنسانية وإن تناسوه اليهود
أنفسهم! وليس للقارىء المصرى بل العربى والعبرى والعجمى أن يبحث فى تراث الحكى الشعبى المصرى عن دلالة
كسوة المصريون للجنود الصهاينة البيجامات الكاستور عند إعادتهم لأمهاتهم وزوجاتهم، لأنهم سيضحكون ـ كثيرا ـ
وسيبكى الصهاينة أكثر!
والكثير من مرارة الإعتراف سيأتى ذكره تاليًا إن شاء الله.