الدماء تسيل في بقاع كثيرة من العالم، والبشر يذبح بعضهم بعضًا بدم بارد، وكأنهم يمارسون طقسًا اعتياديًا من طقوس الحياة.. ” قانون القوة ” يفرض سطوته في دول شتى الكبيرة منها والصغيرة، القوية والضعيفة، طلقات الرصاص، ودانات المدافع، وقنابل الطائرات لا تتوقف، كما لا تتوقف أجهزة المخابرات عن إشعال التوترات ولا مصانع السلاح عن إنتاج أدوات الفناء، بينما تتساءل لوبيات تجارة السلاح: هل من مزيد؟
وسط هذا المشهد القاتم يبدو أن العالم يسير بإرادته نحو حافة الهاوية، وكأن السقوط بات قدرًا محتوما لا مفر منه!
تتردد في ذهني عبارة طالما تأملتها: “ التكنولوجيا تحمل داخلها عوامل فنائها“. قد لا أتذكر قائلها، لكنها تبدو اليوم أكثر صدقًا من أي وقت مضى، فالتقدم العلمي الذي كان من المفترض أن يسعد الإنسان أصبح في كثير من صوره مصدر قلق وتهديد، بل وربما طريقًا إلى تعاسته!
لا خلاف على أن العلم في جوهره لا يتعارض مع سنة الله في الكون، بل هو أحد أدوات فهمها غير أن الإشكالية الحقيقية تظهر حين ينفصل العلم عن غايته الأخلاقية ويتحول من وسيلة لإعمار الأرض إلى أداة لتفريغ الإنسان من إنسانيته!
نطالع يوميًا أخبارًا عن تطورات تكنولوجية مذهلة، لكنها لا تتجه دائمًا لإسعاد الإنسان وفق طبيعته، بل تدفع به تدريجيًا نحو العزلة، وتعيد تشكيله في صورة أقرب إلى الآلة. فيفقد مشاعره الطبيعية، وتضعف روابطه الإنسانية، حتى يصبح كائنًا مختلفًا عن فطرته.
وتشير تقارير دولية صادرة عن مؤسسات بحثية مرموقة إلى أن الإفراط في استخدام التكنولوجيا لم يعد مجرد سلوك
يومي، بل تحول إلى عامل مؤثر في تراجع جودة العلاقات الإنسانية وارتفاع معدلات العزلة وهو ما يهدد بتآكل البنية
العاطفية للأسرة مع مرور الوقت.
وفي سياق أكثر خطورة، يتحدث خبراء في علم الروبوتات عن مستقبل قد تعتمد فيه العلاقات الإنسانية – بل
والعاطفية – على روبوتات متطورة يصعب تمييزها عن البشر، مدعومة بذكاء اصطناعي قادر على محاكاة المشاعر
والسلوكيات. ومع التوسع في تقنيات الواقع الافتراضي، قد يجد الإنسان نفسه في عالم بديل أكثر إغراءً، لكنه أقل
إنسانية.
مثل هذه التحولات لا تهدد فقط شكل العلاقات، بل تمس جوهر الوجود الإنساني ذاته؛ إذ قد تؤدي إلى تراجع قيم
الأسرة، وانخفاض معدلات الزواج، وتآكل فكرة الامتداد البشري، فضلًا عن تصاعد مشكلات نفسية مثل الاكتئاب
والعزلة
والأخطر من ذلك، أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي قد يخرج – في لحظة ما – عن نطاق السيطرة، في ظل
سباق عالمي لا تحكمه دائمًا اعتبارات أخلاقية، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات مقلقة وخطيرة
الحقيقة التي يجب التوقف عندها، أن المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب القيم التي تضبط
استخدامها، فالعلم بلا أخلاق قد يتحول من أداة للبناء إلى معول للهدم
وما يحدث اليوم يجري أمام أعيننا، ونظنه تقدمًا مطلقًا ورفاهية بلا ثمن، حتى نصل إلى لحظة يظن فيها الإنسان أنه
قد أحاط بكل شيء علمًا وسيطرة، فيتحقق قول الله تعالى ( إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ