محمد يوسف العزيزي يكتب : عندما تأكل المنطقة نفسها .. دروس قاسية في زمن المصالح !

الكاتب الصحفي محمد العزيزي
الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر هي مواجهة لا يمكن قراءتها باعتبارها صراعًا طارئًا أو حدثا معزولا عن سياقه.. بل تعكس مسارًا ممتدًا لإعادة  تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط!
 هذه الحرب لا تتحرك في فراغ، بل تتقاطع مع حسابات معقدة، وتفتح الباب أمام سيناريوهات قد تدفع أطرافًا إقليمية أخرى إلى الانخراط فيها، بما يوسع دائرة الصراع ويضاعف تكاليفه ونتائجه
هنا يبرز تساؤل جوهري حول طريقة تفكير بعض الدول العربية، خصوصًا في الخليج: كيف تحدد هذه الدول أولوياتها الأمنية؟ ومن تضعه في موقع العدو الرئيسي؟ وهل تنطلق هذه الرؤية من حسابات ذاتية دقيقة، أم من تصورات تشكلت تحت تأثير ضغوط وتحالفات خارجية؟
لقد راهنت أنظمة عربية لسنوات طويلة على الحماية الأمريكية، واعتبرت الوجود العسكري الغربي ضمانة لأمنها واستقرارها، لكن التجارب المتلاحقة كشفت حدود هذا الرهان، وأظهرت أن القوى الكبرى تدير تحالفاتها وفق مصالحها المباشرة، لا وفق التزامات ثابتة، وعندما تتعارض هذه المصالح، تعيد تلك القوى ترتيب أولوياتها دون تردد، حتى لو جاء ذلك على حساب حلفائها!
في قلب هذه المعادلة يظل الكيان الصهيوني حاضرًا بوصفه نقطة ارتكاز رئيسية في الاستراتيجية الأمريكية والغربية داخل المنطقة! هذا الواقع يفرض قراءة مختلفة لطبيعة توازنات القوي ويطرح تساؤلات حول جدوى بناء سياسات أمنية تنطلق من افتراضات لا تعكس حقيقة المصالح المتشابكة على الأرض وتصنع إشكالية معقدة في العلاقات بين دول المنطقة والغرب
هذه الإشكالية لا تقف عند حدود التحالفات، لكنها تمتد إلى التقدير في تحديد مصادر التهديد ليكون السؤال: كيف تنظر بعض الأنظمة إلى صراعها الإقليمي؟ ولماذا تتباين المواقف في إدانة أفعال متشابهة في طبيعتها، وتتقارب في حالات أخرى؟ هذا التباين يؤكد أن الضغوط السياسية تلعب دورًا كبيرًا في توجيه المواقف!
في المقابل، تمتلك الدول العربية أوراق قوة حقيقية، سواء من حيث الموارد أو الموقع الجغرافي أو الإمكانات البشرية.. لكن هذه الأوراق تفقد جزءًا كبيرًا من تأثيرها عندما تعتمد الدول على مظلات حماية خارجية، أو عندما تدخل في صراعات تستنزف قدراتها دون تحقيق مكاسب واضحة.. إن الاعتماد على الذات لا يعني الانعزال، بل يعني بناء قدرة مستقلة على حماية المصالح واتخاذ القرار دون أن يكون مرتهنا عند أطراف أخري!
إن استمرار هذا المسار، الذي يدفع أطراف المنطقة إلى مواجهات متداخلة، قد يقود إلى نتائج خطيرة. فإذا دخلت قوى إقليمية في صراع مباشر، واتسعت رقعته، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام حالة استنزاف شامل، تتراجع فيها قدرات الدول، وتتصاعد فيها التوترات الداخلية، بينما تستفيد الأطراف الأكثر تنظيمًا من هذا التراجع لفرض معادلات جديدة!
وإذا ما واصلت المنطقة هذا الطريق، حيث تستهلك قواها في صراعات مفتوحة، فإنها ستواجه واقعًا بالغ القسوة والسوء وتظهر دول منهكة اقتصاديًا، مثقلة بأعباء عسكرية، تعاني من تراجع في تماسكها الاجتماعي، وتفقد تدريجيًا قدرتها على التحكم في مواردها!
وفي ظل هذا الوضع، ستخضع الثروات لإرادات خارجية، وستتقلص مساحة القرار الوطني، بينما ترسخ قوى أخرى نفوذها وتملأ الفراغ !
وقتها لن يكون السؤال حول كيفية اندلاع الصراع ، بل حول سبب الاستمرار فيه رغم وضوح نتائجه .
في النهاية، لا يملك أحد ترف تجاهل هذه الحقائق.. فإما أن تعيد الدول بناء رؤيتها على أساس الاعتماد على قوتها الذاتية.. أو تستمر في دوامة استنزاف لا تترك لها سوى الخسائر.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.