ناصر النوبي يكتب : الشرق الاوسط … حيث تنكسر الإمبراطوريات قبل أن تعترف بالهزيمة

الفنان ناصر النوبي
على مدار التاريخ، لم يسقط الشرق يومًا بسهولة، ولم يُخضع بالكامل مهما بلغت قوة الغزاة.
بل على العكس، كان دائمًا هو الامتحان الأخير لكل إمبراطورية، اللحظة التي ينكشف فيها وهم القوة، وتبدأ رحلة السقوط.
الإمبراطوريات لا تعترف بانهيارها فورًا… لكنها تبدأ في الشرق
حين يصبح الشرق فخًا للقوة
من روما إلى القوى الحديثة، يتكرر المشهد بشكل يكاد يكون قانونًا تاريخيًا:
الإمبراطورية الرومانية دخلت الشرق طمعًا في السيطرة، فخرجت منه مثقلة بحروب لا تنتهي مع الفرس، استنزفت اقتصادها وجيشها حتى بدأ التآكل من الداخل.
الإمبراطورية البيزنطية ظلت تقاتل على جبهات الشرق لقرون، حتى تحولت تلك الجبهات إلى عبء قاتل، أنهكها ومهّد
لسقوطها.
الإمبراطورية المغولية اجتاحت الشرق بعنف غير مسبوق، لكنها لم تستطع إخضاعه حضاريًا، فذابت داخله وفقدت
روحها.
الإمبراطورية البريطانية رفعت شعار “الشمس لا تغيب”، لكنها غربت فعليًا حين بدأت شعوب الشرق تستعيد إرادتها.
الاتحاد السوفيتي في أفغانستان دخل بقوة عظمى، وخرج مثقلًا بالخسائر، تاركًا وراءه بداية النهاية.
الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان ..تفوق عسكري هائل… لكن بلا حسم حقيقي، ولا استقرار دائم، وكأن
الأرض نفسها ترفض الخضوع.
الشرق لا يُهزم… بل يُرهق من يحاول كسره
الخطأ الذي وقعت فيه كل هذه القوى كان واحدًا:
الاعتقاد أن الشرق مجرد أرض يمكن السيطرة عليها..لكن الحقيقة أنه: تاريخ حيّ، لا يموت ..هوية متجذرة، لا تُقتلع،
مجتمعات تعرف كيف تتحمل وتعيد بناء نفسها
هنا، تتحول الحروب إلى استنزاف، والانتصارات السريعة إلى مستنقع طويل.
إيران… حين يعود التاريخ في صورة دولة ..
في قلب هذا الشرق، تقف إيران، امتدادًا حيًا لحضارة فارس التي واجهت أعظم الإمبراطوريات عبر التاريخ ولم تختفِ.
ليست القضية مجرد صراع سياسي عابر، بل مواجهة تحمل أبعادًا أعمق:
بين قوة عسكرية حديثة، وبين دولة متجذرة في تاريخ طويل من الصمود.
إيران لا تتحرك فقط بمنطق الدولة الحديثة، بل أيضًا بإرث حضاري يعرف جيدًا كيف يصمد، وكيف يحوّل الضغط إلى
عامل قوة.
وهم الحسم السريع !
التاريخ يكرر رسالته بوضوح: كل من ظن أن الشرق معركة سهلة… دفع الثمن ،فلا الجيوش الحديثة ضمنت النصر،
ولا التفوق التكنولوجي أنهى الصراعات، ولا الضغوط أنهت إرادة الشعوب.
الخلاصة: الشرق لا يمنح الانتصار بسهولة ..قد تُكسب المعارك ..لكن السيطرة شيء آخر تمامًا.فالشرق ليس مجرد
جغرافيا، بل اختبار للإرادة، ومرآة تكشف حدود القوة. ومن لا يفهم هذه الحقيقة، قد يظن نفسه منتصرًا…
بينما يكون قد بدأ طريق السقوط.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.