المهندس عبد الحليم نصر يكتب: سَعَةُ المَنَّان.. فِي نَجَاةِ القَاصِرِينَ مِن أَهْلِ الأَدْيَان

تظل قضية “النجاة في الآخرة ” ومصير الخلق يوم القيامة من أشد المسائل استثارة للجدل الفقهي، خاصة في ظل الانفتاح الرقمي الذي جعل صورة الإسلام عرضة للتشويه والتحريف. والسؤال الجوهري الذي يطرحه العقل المسلم: هل الجنة حكرٌ على مذهبٍ بعينه؟ وكيف يعامل “غير المسلم” الذي لم تبلغه الدعوة بصورتها الصحيحة؟.
وقبل الإجابة ينبغى استيفاء الآتى:
أولاً: قاعدة “بلوغ الدعوة” والعدل الإلهي
أجمع محققو أهل السنة والجماعة (كابن تيمية، والغزالي، والنووي) على أن الثواب والعقاب فرعٌ عن قيام “الحجة الرسالية”.
فالله سبحانه، من كمال عدله، لا يعذب نفساً إلا بعد بيانٍ كافٍ؛ لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا معَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15].
والعبرة هنا ليست بمجرد سماع اسم الإسلام، بل ببلوغ الدعوة بجمالها وحقيقتها. فمن بلغه الإسلام مشوهاً، أو قيل له إنه دين إرهاب وضلال،
فهو في حكم “الجاهل القاصر” الذي لم تقم عليه الحجة البالغة، لأن التشويه حاجزٌ يمنع النظر العقلي السليم.
ثانياً: فقه “العذر بالجهل” ومصير غير المسلمين
تؤكد الفتاوى المعتبرة (ومنها فتاوى هيئة كبار العلماء) أن “العذر بالجهل” ثابتٌ حتى في مسائل العقيدة والتوحيد. وينطبق هذا على صنفين من غير المسلمين:
* في الدنيا: يعاملون بأحكام أديانهم لعدم انتسابهم للإسلام أصلاً.
* في الآخرة: من كان منهم جاهلاً حقاً، أو بلغه الدين محرفاً، فأرجح الأقوال أنه من “أهل الفترة” الذين يمتحنون في عَرَصات القيامة؛
لقوله ﷺ: “أربعة يوم القيامة يدلون بحجة… ورجل مات في فترة” (مسند أحمد). فمن أطاع منهم دخل الجنة بفضل الله.
ثالثاً: توجيه النصوص وتكامل الوعيد
قد يشكل على البعض قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]. والتحقيق الأصولي
يرى أن “الابتغاء” فعل اختياري يقتضي القصد والعمد. فالآية تتحدث عن “المعرض جحوداً” بعد قيام الحجة،
أما “المغرر به” الذي حجب عنه النور، فهو مستثنى بقاعدة الاستضعاف: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ… لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} [النساء: 98].
أخيرا: إن الإسلام هو الدين المقبول عند الله منهجاً وتكليفاً، لكنَّ “القبول” شيء و”العفو عن الجاهل” شيءٌ آخر.
إن الجنة ملكٌ لله وحده، ورحمته سبقت غضبه، ومن كمال كرمه أنه لا يظلم مثقال ذرة، فمن قصرت به حيلته عن إدراك الحق
وهو يظن أنه يحسن صنعاً، فربُّ الحقيقة أكرم من أن يعذبه بلا بيان.
والحمد لله الذي جعل مفاتيح الجنة بيده، ولم يكلها إلى أحد من خلقه.