“.. لكننى بقيت عدة أسابيع لا أجد شيئا أقوله لهم”..هكذا تعترف جولدا أنها لم تقدر على مواجهة آباء وأمهات القتلى والجرحى والأسرى من جنود جيش الدفاع خلال حرب أكتوبر ـ كيبور، فلا هى تملك المعلومات الكافية عن حال جنودها، من منهم مات، ومن قُبض فى الأسر، ولا هى تمتلك الشجاهة الكافية لمواجهة أهالى هؤلاء الجنود بحقيقة أمرها وأمرهم.
فهل كانت تلك الصورة تعكس انتصارا لجيش الدفاع ورئيسة وزراء الكيان وشعبها؟ أم كانت الحقيقة بالهزيمة التى تنعكس صورتها فى انكسار جولدا، وقلة حيلتها، وفى ضياع جنودها وتشتت أخبارهم، وفى ذهول الآباء والأمهات وفقدانهم الثقة فى عودة أبنائهم من الجبهة المصرية؟.
تعترف جولدا:”ومرت أيام فى شتاء 1973 لم أكن فيها أقدر على الوقوف أمام جماعة أخرى من الأهالى، لعلمى أننى لا أملك شيئا أقوله لهم”..ولعل فى انتقاء جولدا لمفردات كلماتها فى اعترافاتها دليلا ومعنى يستوجب الوقوف أمامه، فهى لم تقل:”مرت أيام الحرب أو اكتوبر” بل اختارت “الشتاء” لما تعكسه تلك الكلمة فى علم السيميولوجيا أو “علم السيمونيطيقا” من دلالة البرود فى المشاعر، والتبلد فى التفكير، والسكون فى خضوع وانكسار وذلة، هذه المرأة تعلم جيدا كيف تصف حالاتها فى زمن الحرب مع المصريين،
وتعود لتعترف بعدم علمها بثمة شئ عن جنودها، فهى التى اغترت بأجهزة استخباراتها الـ “امان” والـ “شباك” والـ “موساد” وهى التى سارت على نهج معلمها الأول ديفيد بن جوريون فى الالتزام باتباع الولايات المتحدة، والدوران فى فلكها، وكأنها ـ تماما ـ كما أطلق عليها تصنيفا دقيقا الشهيد المفكر جمال حمدان (الدولة الوظيفية) أو الولاية الواحدة والخمسين! فحتى تبعيتها لأمريكا لم تمدها بالمعلومات الكافية عن جنودها ومعرفة أحوالهم!، وكذلك لم يكن الحال مع مخابرات انجلترا والاتحاد السوفيتى بأفضل من حالها مع مخابرات امريكا، فالصورة كانت ضبابية لدى الجميع عما يدور بالجبهة الجنوبية “سيناء” فكانت صدمة عبور الجنود المصريين، ورفع العلم المصرى على الضفة الشرقية، ووطئ النقاط الحصينة، وإعتلاء خط بارليف، وقطع اليد الطولى الـ “ميراج” والـ “فانتوم” والـ “سكاى هوك”، وقنص مدرعات “آم ون” وأسر وقتل الجندى “الأسطورة” الذى لا يُقهر! كل هذه الأكاذيب وغيرها من الأباطيل أفقدت جولدا القدرة على مواجهة أمهات الجنود القتلى والجرحى والأسرى من الشعب اليهودى.
وعن تكرار طلبات هؤلاء الأهالى ورغبتهم ـ المُلحة ـ فى لقاء جولدا لتخبرهم عن أحوال أبنائهم الجنود، تعترف
جولدا:”لكننى بقيت عدة أسابيع لا أجد شيئا أقوله لهم”..وهنا أطرح بعضا من النوستولوجيا الصهيونية التى كانت تردد
طيلة سنوات ست: أنهم الجيش الذى لا يقهر، وان جولدا تنشر فى “يدعوت احرانوت” وجيروزليم بوست”
وغيرهما:هذا رقم تليفونى وذاك عنوانى فى تل ابيب انتظر اتصالا أو مجيئا من القادة المصريين للإذعان والاستسلام،
وان جولدا كانت تقف أمام تبة عيون موسى وتتفاخر بمدافعها الثلاث التى تقول بأنها تطول شوراع وبيوت السويس، أو
أنها كانت تغتر بطائراتها التى تتحدث عن فخر الصناعة الغربية التى تصل الى العمق المصرى فى دقائق!.. أين تلك
الذكريات المتعجرفة؟ وكيف أطاح بها المقاتل المصرى؟ وذهبت مع الريح!.
جولدا تعترف فى مرارة عن أمهات جنود جيش الدفاع(الأسطورة!):”كانوا لا يريدون منى الا جزءا من معلومة، أو حقيقة
أو اثنتين يتعلقون بهما، فقط شيئا ملموسا يهدئ آلامهم” وتستطرد”كان كل ما قلته لهم أننا لن نوافق على أية
ترتيبات ما لم نضمن عودة الأسرى”.. وهى ذاتها من تتساءل فى قرارة نفسها دون أن تعلن تساؤلاتها على
الأمهات:”لكن كم هو عدد الأسرى؟”.
الحقيقة التى يجب أن تبق فى أذهان الجميع مصريين وعرب ويهود وغرب وعجم هى أن رئيسة وزراء الكيان لم تكن
تعرف عدد أسراها وقتلاها وجرحاها من جنود جيش الدفاع فى حرب أكتوبر ـ كيبور، فهل كانت هكذا منتصرة؟! أم
ذليلة منهزمة؟
والكثير من مرارة الإعتراف سيأتى ذكره تاليًا إن شاء الله.