أصبحت العلاقة بينى وبين عصفور الصباح وطيدة ، بعد زمن طال من محاولة التودد اليه ، تارة بتقديم حبات القمح وأخرى بتقطيع الخبز الى قطع صغيرة ونثرها فى أرض الشرفة ، ومراقبته من خلف الزجاج ، إلى أن سمح لى فى مرة من المرات من فتح الزجاج الحائل بينى وبينه ، وكم كانت سعادتى عندما نظر الى طويلاً ولم يرفرف طائراً
ظل يتقافز بين الكراسى البامبو المتهالكة وسور الشرفة وحبل الغسيل ، كانت هذه أول مرة ، وفى المرة الثانية سمح لى بالدخول إلى الشرفة والجلوس على الكرسى المواجه للشجرة التى يسكنها ، فرغ سريعاً من الطعام الذى وضعته له ، وقفز طائراً مستقراً على فرع ممتد من الشجرة ملامس حائط الشرفة
كان سعيداً وهو يصعد ويهبط مع فرع الشجرة الذى يتمايل مع تيار الهواء ، صدح صوت العصفور بالزقزقة والغناء ، بدت علامات السعادة عليه حين كان ينفش ريشه منتفخاً كطاووس يملك غابة بأشجارها كاملةً ، بادلته الغناء بصوتى الأجش
فزع فى البداية من صوتى لكنه بعد قليل ارتاح الى الذبذبات الخشنة واقترب منى أكثر ، وضعت بكفى حبات القمح الصفراء اليانعة ، وقربت كفى منه ، فى البداية جفل ، لكن مع الإصرار و الغناء شعر بالأمان ،
اقترب التقط من كفى الممدود له حبة قمح ، وطار سريعاً نحو عش من قش وريش وبعض أوراق شجر جافة ، وضع الحبة فى فم عصفور ازغب الريش أحمر الجلد ، ثم التفت ونظر لى نظرة امتنان ،
فى اليوم التالى عدت من الخارج مسرعاً نحو الشرفة ، لم أجد العصفور على الغصن ولا فى العش ، نظرت فوق
ونظرت تحت ونظرت حول ولكنى لم اجده ،
رحت أغنى له أغنيتي لكن غيابه طال ، وحرت فى أمر عصفوري الذى أحببت ، طالت وقفتي فى الشرفة يلفحني
هجير الصيف ويرعش بدنى زمهرير الشتاء ،
توالت الفصول تتعاقب بعضها خلف بعض وأنا فى الانتظار حتى أصابني السأم والأعياء ، ارتفعت درجة حرارتي
واستسلم جسدى للرقاد ، وتداخل فى نفسي الليل بالنهار والصباح بالمساء ووهن العظم واشتعل الشيب ومرت
الاعوام ، وانا لم اعد اتقن الانتظار ،
وفى ليلة شتوية باردة وانا تحت الأغطية الثقيلة ، سمعت نقرات خفيفة على زجاج النافذة ، كان عصفوري خلف زجاج
النافذة تعصف به الرياح وريشه مبتل بماء المطر ، تبادلنا النظرات وغرقنا فى صمتٍ طويل حكت فيه العيون عن الرحلة
والسفر والطريق ، ثم طلب منى الدخول ، كان زجاج النافذة يعكس صورتى الشائهة بفعل الزمن وارهاق السفر وألم
الغربة وطول الطريق وهو أيضاً كان كذلك
أيقنت أن رغم عودته أنه ولا أنا اصبحنا كما كنا زمان ، أغلقت الستائر السوداء فوق النافذة وعدت الى سريرى