جهاد شوقى السيد تكتب: قلب الميزان وتغير الزمان

جهاد شوقى السيد

يشهد الشرق الأوسط تحولًا خطيرًا جعله ساحة مفتوحة لاستعراض القوى وفرض النفوذ، حتى بات أشبه بحلبة السيرك الروماني، حيث يتبارز المتنافسون باستعراض أسلحتهم ومهاراتهم في توجيه الضربات. ورغم أن بعض المعارك قد تنتهي بإعلان فائز، فإن النتيجة الحقيقية تظل دائمًا دمارًا شاملًا لساحات القتال، وهو ما يخدم مصالح قوى تسعى إلى الخراب لا الإعمار، تمهيدًا للسيطرة على ثروات هذه المنطقة الحيوية.

في هذا السياق، بدت الولايات المتحدة وكأنها تخوض مغامرة محسوبة النتائج حين اعتقدت أن السيطرة على مقدرات الشرق الأوسط ستكون أمرًا يسيرًا، أشبه بنزهة عابرة. غير أن الواقع أثبت عكس ذلك، فبعد حروبها في أفغانستان وليبيا واليمن، وأيضًا سوريا ولبنان بمساعدة حليفتها إسرائيل، واستنزاف قوتها الاقتصادية في مساعدة أوكرانيا وإسرائيل وإمدادهم بالذخيرة والمساعدات العسكرية، أصبحت تعاني داخليًا وخارجيًا. فقد دمرت أمريكا صورتها كدولة مسيطرة على العالم، فهي تتخبط بين فضائح رؤسائها في قضية جزيرة إبستين، وبين المليارات المستنزفة يوميًا في حربها ضد إيران، وأيضًا وضعها أمام شعبها الذي يعاني من ارتفاع أسعار المواد البترولية بسبب هذه الحرب غير المبررة من وجهة نظر المواطن الأمريكي.

وجاء ذلك أيضًا بعدما أقدم ترامب على اختطاف رئيس دولة فنزويلا بأسلوب “الكاوبوي”، والاستيلاء على حقول البترول، في نوع جديد من البجاحة السياسية. فلم تعد أمريكا تحاول إخفاء مطامعها في استغلال ثروات الشعوب الأخرى، متحججة دائمًا بحقوق الإنسان التي تسعى لتطبيقها بقوة السلاح. وبالفعل، لم تعد أمريكا تمثل دورها الريادي الذي يجبر الدول الأخرى على اتباعها، فنجد أن دول أوروبا، وعلى رأسها إنجلترا، قد تخلت عن مساعداتها في حربها ضد إيران، “فها هم أتباعك قد خانوك يا ريتشارد”، وقد تُركت لتواجه مصيرها وحدها.

وقد قامت إيران بقصف منشآتها وقواعدها العسكرية في دول الخليج، فلم تعد أمريكا تتمتع بالحماية بعد الآن، ونرى طائراتها القتالية تتهاوى ويتم رصدها واصطيادها، فقد تحطمت أسطورة الجندي الأمريكي الأقوى عالميًا. ويبدو أن إيران عازمة على أن تكبّد أمريكا وإسرائيل خسائر لن تستطيع التعافي منها في المستقبل القريب. فمحو إيران من على الخريطة لن يكون سهلًا كما اعتقد ترامب، فهي تحارب حرب البقاء، وقد أصبحت حربًا عقائدية بعد اغتيال المرشد العام، فهي لن تغرق وحدها، بل عازمة على أن تأخذ معها جميع الدول التي تعاديها، بل والمنطقة المحيطة كلها.

ونجد أيضًا اختلافًا تامًا في الرأي العام للشعوب، فبعد أن كانت أمريكا تسعى لزرع فكرة أن طهران خطر على العالم أجمع لامتلاكها أسلحة نووية، نجد الشعوب تهلل لطهران بسبب استهدافها لإسرائيل، التي أصبح العالم أجمع يمقتها ويتمنى زوالها. ففي مصر، نجد أن الشعب المصري يشجع أي طرف يكبد إسرائيل خسائر، حتى وإن كان من المعروف اختلاف مصر مع طهران منذ عقود. وقد أدى هذا الترحيب إلى ظن بعض الدول المجاورة أن الشعب المصري يوافق على سياسات الجانب الإيراني في ضرب بعض الدول الشقيقة، ولكن هذا غير صحيح. فأن هذا التعاطف الشعبي لا يعكس بالضرورة الموقف الرسمي للدولة، التي تحرص على التوازن في سياساتها وتحركاتها.

فبعد المجازر التى شهدتها غزة العزيزة على قلوب المصريين، يرى الشعب أن هذا نوع من العدالة الإلهية. وقد استغلت بعض اللجان الإلكترونية المدفوعة، المنتشرة كالجَراد على جميع المواقع، هذا الأمر لإشعال الفتن بين الشعوب، ولكن رجال الدولة كانوا ولا يزالون لها بالمرصاد، حتى لا تؤثر على السياسات الكبرى للدولة في هذه الأوقات العصيبة. ونجد تحركًا دبلوماسيًا سريعًا للقادة المصريين، وعلى رأسهم السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في محاولة لدرء الدماء وإصلاح ما أفسدته سياسات ترامب.

ولكن، هل أدرك ترامب حجم الكارثة؟! فقد اجتمع مع رئيسة الوزراء اليابانية لحل مشكلة الطاقة التي سوف تعاني منها اليابان بسبب نقص إمدادات البترول. ولكننا نجد الغطرسة ونبرة التعالي حاضرتين في هذا الاجتماع، فقد ذكر ترامب إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما، بل وطلب منها زيارة النصب التذكاري للجنود الأمريكيين في موقع ميناء بيرل هاربر. وقد أدى هذا الفعل إلى اندلاع احتجاجات واسعة من الشعب الياباني، الذي اعتبر ذلك نوعًا من الذل وليّ الذراع.

فبعد هذا الاجتماع، وافق الجانب الياباني على عبور سفنهم بالعملة الصينية “اليوان”، كما اختارت السلطات الإيرانية، في مفاجأة مدوية؛ فمن المعروف العداء بين الصين واليابان، ولكن الغطرسة الأمريكية وحدتهم في سابقة من نوعها.

وفي خضم هذه التطورات، تبرز تساؤلات حول مدى إدراك صناع القرار لحجم التحديات الراهنة، خاصة في ظل مواقف وتصريحات تعكس أحيانًا قدرًا من التصعيد أو عدم التقدير الكامل لحساسية المشهد الدولي. إن ما نشهده الآن هو تغير وقلب للمكان والزمان، ولن يكون هناك رجوع إلى الوراء مرة أخرى، فقد تم إشعال فتيل الحرب، ولن تستسلم هذه القوى لرياح التغيير. ولكن يجب على الدول أن تتريث وتخطط جيدًا لخطواتها القادمة، حتى لا تتكبد سنوات من الدمار، الذي سيصعب تداركه في المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.